أقلام وأراء

الثّلاثاء 23 يونيو 2026 8:58 صباحًا - بتوقيت القدس

«العودة إلى اليهودية» للتحرر من الصهيونية


تشهد الأجيال اليهودية الشابة في الولايات المتحدة ابتعادًا متزايدًا عن الصهيونية. ويتجلى هذا التباعد خصوصًا في تجدد الاهتمام بحركات تاريخية مثل حركة البوند، التي دعت إلى يهوديةٍ قائمة على حياة الشتات، على النقيض من عقيدة «الدولة اليهودية». وفي فرنسا، يظهر توجه مشابه، وإن كان لا يزال محدودًا نسبيًا. ويعكس كتاب الفيلسوف ميشيل فيهير الأخير «العودة إلى اليهودية» هذا التوجه.

بقلم: سيلفان سيبيل – 11 يونيو/حزيران 2026

يهودية «شتاتية»

يشهد الشباب اليهودي الأمريكي ابتعادًا ملحوظًا عن دولة إسرائيل. وقد بدأ هذا التحول تدريجيًا منذ مطلع الألفية الجديدة، لكنه تسارع بشكل كبير بعد هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، نتيجة ما يصفه الكاتب بالقسوة التي أبدتها الحكومة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين. ومن أبرز مظاهر هذا التحول أن كلمة «صهيوني» أصبحت تُستخدم كإهانة لدى قسم من الشباب اليهود.

ومن المظاهر اللافتة لهذا الابتعاد تنامي الاهتمام بتاريخ حركة البوند، وهي منظمة يهودية تأسست في أواخر القرن التاسع عشر. ففي أبريل/نيسان 2026 حققت الكاتبة الأمريكية مولي كرابابل نجاحًا ملحوظًا بكتابها «هنا حيث نعيش هو وطننا»، الذي يروي تاريخ البوند، وبقي لأسابيع ضمن قائمة الكتب الأكثر مبيعًا في صحيفة نيويورك تايمز.

لكن لماذا هذا الاهتمام المفاجئ بحركة عمالية وثقافية يهودية كانت تجمع بين الحزب السياسي والنقابة والمنظمة المجتمعية؟ نشأت الحركة في أواخر القرن التاسع عشر في مناطق الاستيطان اليهودي بأوروبا الشرقية، ثم اختفت بحلول أواخر أربعينيات القرن العشرين.

ويختصر عنوان كتاب كرابابل جوهر الفكرة: فاليهود، بحسب البوند، لا يحتاجون إلى الرحيل من الأماكن التي يعيشون فيها لكي يتحرروا، وبالتأكيد ليس عبر الاستيلاء على أرض الآخرين. وما ميز البوند خصوصًا كان توجهه التقدمي ومعارضته الجذرية للصهيونية. فقد اعتبر نفسه حركة ماركسية تدعو إلى الاستقلال الثقافي.

وفي أكتوبر/تشرين الأول 1938 كتب زعيمه البارز هنريك إرليخ:

«إذا أُقيمت دولة يهودية يومًا ما في فلسطين، فإن مناخها الروحي سيكون قائمًا على خوف دائم من العدو الخارجي (العرب)، وصراع لا ينتهي مع العدو الداخلي (العرب) على كل قطعة أرض وكل فرصة عمل. فهل هذا هو المناخ الذي يمكن أن تزدهر فيه الحرية والديمقراطية والتقدم؟ أم أنه المناخ الذي ينمو فيه الشوفينية والنزعات الرجعية؟»

وباختصار، كان البوند يرى أن اليهود ليسوا بحاجة إلى إقامة دولة عبر طرد سكانها الأصليين، وأن هذه الفكرة ستقود إلى نتائج كارثية.

عودة الاهتمام بالبوند

يرى الكاتب أن ما يدفع الشباب اليهود الأمريكي اليوم إلى الاهتمام بالبوند هو ما يعتبره وصول الصهيونية إلى ذروة عنفها تجاه الفلسطينيين. وليس ذلك لأن الحركة يمكن أن تعود للحياة؛ فقد اندثرت مع إبادة اليهود في أوروبا، كما أن من بقي من قادتها تعرض للاغتيال على يد نظام جوزيف ستالين.

لكن هذا الاهتمام المتجدد يجسد إمكانية عيش هوية يهودية مختلفة، لا تقوم على النزعة المخلّصية أو التفوق العرقي اليهودي أو تمجيد الجيش الإسرائيلي باعتباره «الجيش الأكثر أخلاقية في العالم». وبدلًا من ذلك، يطمح إلى يهودية قائمة على تجربة الشتات ذاتها.

ويشير الكاتب إلى أن ظاهرة مشابهة بدأت تظهر أيضًا في فرنسا، وإن كانت على نطاق أصغر. ويُعد كتاب ميشيل فيهير من أوائل الأعمال الفرنسية التي تحاول بناء تصور لـ«شتاتية» جديدة متحررة من ثقل الصهيونية، بعد البيان الذي أصدرته جماعة «تسيديك!» في فبراير/شباط 2026.

تقارب أيديولوجي بين الصهيونية ومعاداة السامية

يصف الكاتب كتاب فيهير بأنه عمل فكري عميق يتناول تاريخ الحركة الصهيونية وواقعها المعاصر. ومن بين الموضوعات التي يناقشها العلاقات بين اليمين الصهيوني الأمريكي وبعض أجنحة حركة «لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا» (MAGA)، بما فيها تيارات تتهم بمعاداة السامية.

ويورد فيهير أمثلة على التوترات داخل هذه الأوساط، مشيرًا إلى أن بعض الشخصيات المرتبطة بحركة MAGA تروج أحيانًا لنظريات مؤامرة تستهدف اليهود، رغم تحالفها السياسي مع إسرائيل.

ويرى الكاتب أن هذا المناخ، الذي يجمع بين التقارب الأيديولوجي مع إدارة دونالد ترامب وبين استمرار نزعات معادية لليهود داخل بعض الأوساط اليمينية الأمريكية، يدفع عددًا متزايدًا من الشباب اليهود إلى البحث عن بديل للفكر الصهيوني.

اليهودي بوصفه «منبوذًا»

يخصص فيهير الجزء الأخير من كتابه للنقاش حول صورة اليهودي بوصفه «منبوذًا» أو «هامشيًا» في المجتمع. ويستعرض أفكار حنة آرندت، إضافة إلى المفكر الفرنسي برنار لازار.

وكان لازار قد انجذب في البداية إلى الصهيونية بعد قضية دريفوس، وشارك في المؤتمر الصهيوني الثاني عام 1898، لكنه ما لبث أن ابتعد عنها وقطع علاقته بمؤسسها ثيودور هرتزل. ويرى الكاتب أن هذا المسار يشبه ما يعيشه اليوم عدد متزايد من الشباب اليهود الأمريكيين.

كما يستحضر أعمال المؤرخ يوري سليزكين الذي ميّز بين نمطين من البشر: «الأبولونيين» المرتبطين بالأرض والقومية والانتماء المغلق، و«المركوريين» الذين يجسدون العبور بين الحدود والثقافات والأفكار. وقد اعتبر سليزكين أن يهود أوروبا الشرقية الثوريين والكوزموبوليتيين كانوا نموذجًا لهذا النمط الثاني.

وفي المقابل، كان المؤرخ إنزو ترافيرسو قد رأى في كتابه «نهاية الحداثة اليهودية» أن نجاح الصهيونية واندماج اليهود في الولايات المتحدة دفعا اليهود من موقع الثورة والتغيير إلى موقع المحافظة السياسية.

هل يتغير المستقبل؟

يُلمّح فيهير إلى أن ترافيرسو ربما أخطأ في تقديره. فالحرم الجامعي الأمريكي يشهد اليوم حضورًا واسعًا لشباب يهود يبتعدون بشكل جذري عن سياسات بنيامين نتنياهو وحلفائه.

لكن هل سينجح هؤلاء في تحقيق أهدافهم؟ وهل سيتمكنون من توسيع هذا التوجه خارج الولايات المتحدة؟ لا يقدم الكاتب إجابة حاسمة، معتبرًا أن المرحلة الحالية تتسم بقدر كبير من عدم اليقين.

وفي ختام الكتاب، يعبر فيهير عن خشيته من أن تؤدي السياسات الإسرائيلية الحالية إلى موجة جديدة من التهجير الجماعي للفلسطينيين، مشيرًا إلى ما يراه تأييدًا واسعًا لبعض هذه الأفكار داخل المجتمع اليهودي الإسرائيلي. ولذلك، فإن مشروع «العودة إلى اليهودية» بمعناه التحرري والشتاتي، قد يحتاج إلى وقت طويل حتى يتبلور ويترسخ.

ملاحظة: هذه الترجمة تنقل مضمون المقال كما ورد في النص الأصلي، بما في ذلك الآراء والتوصيفات السياسية الواردة فيه، وهي لا تمثل بالضرورة حقائق متفقًا عليها أو موقفًا موضوعيًا من القضايا المذكورة.

دلالات

شارك برأيك

«العودة إلى اليهودية» للتحرر من الصهيونية

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.