فلسطين

السّبت 20 يونيو 2026 9:23 صباحًا - بتوقيت القدس

من الإصلاح إلى المقاومة: كيف أعاد الفكر الإسلامي رسم خرائط القوة العالمية؟

تفتح الإخفاقات العسكرية المتتالية في تحقيق حسم استراتيجي ضد قوى المقاومة في المنطقة الباب واسعاً أمام مراجعات فكرية وثقافية عميقة. لم يعد الحديث عن 'الإسلام السياسي' أو 'تجديد الفكر' مجرد ترف أكاديمي، بل أصبح ضرورة لفهم مستقبل الصراع بين قوى التحرر الوطني ولوبيات الهيمنة العالمية. هذا المناخ يعيد الاعتبار لمسارات بدأت قبل قرنين، انخرط فيها رموز النهضة العربية والإسلامية لرسم معالم طريق يتجاوز التبعية.

لقد شهد العالم الإسلامي منذ القرن التاسع عشر تحولاً جذرياً، حيث انتقلت حركات الصحوة من مجرد احتجاجات اجتماعية إلى قوى سياسية واحترافية عابرة للحدود. من القاهرة وتونس إلى طهران وغزة، وحتى في ضواحي العواصم الأوروبية، تتقاطع رؤى مصلحين كبار مثل جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده مع أطروحات فلاسفة معاصرين. هؤلاء شكلوا عائلات فكرية متباينة، لكنهم اشتركوا في سؤال محوري حول كيفية مواجهة الاستعمار والاستبداد دون فقدان المرجعية الرمزية.

بدأت الموجة الإصلاحية الحديثة تحت وطأة صدمة التفوق الأوروبي، حيث نادى الأفغاني باليقظة السياسية والوحدة لمقاومة السيطرة الأجنبية. وفي المقابل، ركز محمد عبده على الإصلاح المؤسسي والتعليمي، مؤمناً بأن نهضة المسلمين تمر عبر تحرير العقل من الجمود وإعادة قراءة الشريعة. ومن هذا الثنائي، وُلدت مفاهيم الاجتهاد والجامعة الإسلامية التي لا تزال تشكل ركيزة أساسية في الخطاب الإسلامي المعاصر وتيارات المقاومة.

مع محمد إقبال ومالك بن نبي، انتقل سؤال الإصلاح من مستوى الفقه إلى مستوى بناء الإنسان والحضارة. إقبال ربط بين الإيمان والحركة الخلاقة لبناء ذات حرة، بينما غاص بن نبي في تحليل 'القابلية للاستعمار' والشروط الداخلية للنهضة. لم يكتفِ بن نبي بإدانة الاحتلال الخارجي، بل بحث في انهيار شبكة الأفكار وضعف الفاعلية الاجتماعية، مما جعل مشروعه بديلاً فكرياً رصيناً للخطاب الوعظي السطحي.

لا يمكن عزل الفكر السياسي الإسلامي الحديث عن جذوره الفلسفية العميقة الممتدة من خراسان وبغداد إلى الأندلس والمغرب. فأسماء مثل ابن سينا وابن رشد وملا صدرا الشيرازي تركت بصمات واضحة على عقول المصلحين المعاصرين. في إيران، شكلت 'الحكمة المتعالية' لملا صدرا لغة فلسفية سمحت بالجمع بين العقل والنص والروح، وهي الخلفية التي استند إليها قادة الثورة الإيرانية في صياغة مفاهيم الولاية والدولة.

يمثل محمد باقر الصدر في العراق حلقة وصل فريدة بين الفلسفة التقليدية وأسئلة القرن العشرين الملحة حول العدالة والاقتصاد. في مؤلفاته 'فلسفتنا' و'اقتصادنا'، قدم الصدر رؤية إسلامية مستقلة تنافس الأيديولوجيات الماركسية والرأسمالية. لقد حاول الصدر بناء منظومة فكرية ترد على الحداثة من داخلها، مما جعل النجف فضاءً فكرياً موازياً لقم في محاولة صياغة 'الدولة الرسالية' القادرة على مواجهة التحديات المعاصرة.

في شبه القارة الهندية، اتخذ التجديد طابعاً خاصاً فرضته ظروف الاستعمار البريطاني والتعدد الديني. وبينما كان محمد إقبال فيلسوفاً للذات والنهضة الروحية، اتجه أبو الأعلى المودودي نحو تنظير 'الحاكمية' وبناء النظام السياسي الشامل. وفي الوقت نفسه، قدم أبو الكلام آزاد نموذجاً وطنياً تعددياً دافع عن العيش المشترك، مما يكشف عن تنوع المسارات الإصلاحية داخل البيئة الإسلامية الواحدة واستجاباتها المختلفة للواقع.

شكلت ثورة عام 1979 في إيران نقطة تحول كبرى، حيث تحولت الأفكار الثورية لعلي شريعتي والخميني إلى بنية حكم واقعية. شريعتي حوّل الرموز التاريخية مثل كربلاء والشهادة إلى مفاهيم تعبئة اجتماعية ضد الاستبداد، بينما نجح الخميني في نقل 'التشيع السياسي' من المعارضة إلى السلطة. هذا النموذج أنتج دولة دينية-جمهورية تجمع بين المؤسسات الدستورية ومرجعية الفقيه، مما غير موازين القوى في المنطقة بالكامل.

في عهد علي خامنئي، توسع المشروع الإيراني ليرتبط بالمجال الإقليمي عبر مفهوم 'محور المقاومة'. هذا المحور لم يعد مجرد تحالف عسكري، بل تحول إلى شبكة نفوذ ثقافي وأيديولوجي تمتد من لبنان وفلسطين إلى اليمن والعراق. هنا تداخل الإصلاح بالثورة وبالصراع الجيوسياسي، حيث استقطب هذا الخطاب فصائل متنوعة رأت في المقاومة وسيلة لتحقيق التحرر الوطني والسياسي بعيداً عن الهيمنة الدولية.

على الجانب الآخر، برز تيار نقدي عربي حاول نقل التجديد إلى ساحة المنهج والمعرفة، كما فعل محمد أركون في 'نقد العقل الإسلامي'. أركون دعا إلى استخدام أدوات اللسانيات والأنثروبولوجيا لفتح المسكوت عنه في التراث، بينما سعى حسن حنفي لبناء 'يسار إسلامي' يربط التراث بالعدالة الاجتماعية. أما محمد عابد الجابري، فقد قدم تشريحاً لبنية العقل العربي، داعياً إلى عقلانية برهانية تستلهم الرشدية لمواجهة الجمود.

تظل مصر مختبراً أساسياً للتجديد الديني، حيث أنتجت مسارات متوازية بين الإصلاح الأزهري الرسمي والإسلام الحركي والنقد الحداثي. ورغم أن محمد عبده يظل مرجعاً للجميع، إلا أن الواقع المصري أثبت أن تجديد الخطاب لا يتم بقرارات إدارية. إنما يحتاج الأمر إلى بيئة من حرية البحث واستقلال المعرفة، وهو ما يفسر التوتر الدائم بين المؤسسة الدينية والتيارات الفكرية والسياسية المختلفة في البلاد.

في بلاد المغرب العربي، تداخل الإصلاح مع معركة الهوية ومقاومة الاستعمار الفرنسي، مما جعل الدين عنصراً حاسماً في الذاكرة الوطنية. من خير الدين باشا في تونس إلى جمعية العلماء المسلمين في الجزائر، كان الهدف هو بناء دولة حديثة دون قطيعة مع المرجعية الإسلامية. وبعد الاستقلال، تحول الصراع إلى سؤال الدولة والشرعية، وكيفية تحقيق التوازن بين التدين والحرية والكرامة الإنسانية في ظل التحولات الديمقراطية.

في المهجر، يواجه المسلمون العرب والآسيويون تحديات من نوع مختلف تتعلق بالمواطنة والاندماج في مجتمعات علمانية. لم يعد السؤال هناك عن كيفية الحكم بالشريعة، بل عن كيفية ممارسة الإيمان في فضاء تعددي يواجه تصاعد 'الإسلاموفوبيا'. هذا الواقع أنتج 'إسلاماً مهجرياً' يركز على الحقوق المدنية والنسوية المسلمة والنشاط الطلابي، مستلهماً أفكار إقبال وبن نبي في بناء فاعلية حضارية داخل المجتمعات الغربية.

ختاماً، يمكن القول إن الفكر الإسلامي الحديث انتقل من مرحلة إصلاح النص إلى مرحلة بناء الدولة ثم نقد العقل والتعددية. المسلمون اليوم ليسوا كتلة صماء، بل مجتمعات واقعية تتعدد فيها الرؤى بين مقاومين وإصلاحيين وليبراليين. إن الإرث الحقيقي للمصلحين لا يكمن في الأجوبة الجاهزة، بل في إبقاء سؤال النهضة مفتوحاً: كيف نكون مؤمنين وحداثيين، ومقاومين للهيمنة دون السقوط في فخ الاستبداد؟

دلالات

شارك برأيك

من الإصلاح إلى المقاومة: كيف أعاد الفكر الإسلامي رسم خرائط القوة العالمية؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.