عربي ودولي

السّبت 20 يونيو 2026 8:52 صباحًا - بتوقيت القدس

قراءة في الاتفاق الأمريكي الإيراني: تهدئة مرحلية أم تنازلات اضطرارية؟

أثار الكشف عن بنود الاتفاق الأمريكي الإيراني الأخير موجة واسعة من القراءات المتناقضة، حيث سارعت أطراف محسوبة على طهران لترويج سردية الانتصار، بينما اعتبرت أصوات معارضة في واشنطن أن إدارة الرئيس ترامب قدمت تنازلات لا تتناسب مع التفوق العسكري الميداني. هذا الانقسام يعكس حالة من التجاذب السياسي الذي يتجاوز نصوص الاتفاق إلى التمنيات الأيديولوجية لكل طرف.

وفي الداخل الإيراني، كشفت رسالة منسوبة للمرشد الأعلى مجتبى خامنئي عن وجود تباين واضح في الرؤى داخل هرم السلطة، حيث نأى المرشد بنفسه عن النتائج المباشرة للاتفاق. وأوضح خامنئي أنه أجاز الخطوة بناءً على تحمل الرئيس مسعود بزشكيان للمسؤولية الكاملة بصفته رئيساً للمجلس الأعلى للأمن القومي، مما يعكس رغبة القيادة العليا في التنصل من أي تداعيات سلبية مستقبلاً.

ولم تتوقف المعارضة عند حدود القيادة العليا، بل امتدت إلى أروقة البرلمان الإيراني، حيث وصف نواب متشددون الاتفاق بأنه يمثل حالة من 'الإذلال' الوطني. وحذر نائب رئيس لجنة الأمن القومي من أن الشروط الواردة قد تحول البلاد إلى ما يشبه 'المستعمرة الأمريكية'، متهماً الفريق المفاوض بتجاوز الخطوط الحمراء وتجاهل التوجيهات السيادية.

على الجانب الآخر، تبدو إسرائيل حذرة في تعاملها مع هذا المسار الدبلوماسي، حيث أكد قادتها أنهم ليسوا طرفاً ملزماً بهذا الاتفاق. وتشدد المصادر الإسرائيلية على أن الجيش لن ينسحب من المواقع التي سيطر عليها في جنوب لبنان، بل سيستغل فترة الهدوء لإعادة تنظيم الصفوف وتجهيز خطط لضربات عسكرية غير مسبوقة ضد المنشآت الإيرانية في حال خرق التهدئة.

يرى مراقبون أن وضع الاتفاق في سياقه الصحيح يتطلب تعريفه كإطار ضيق يهدف لتكريس وقف إطلاق النار وفق ضوابط مكتوبة ومؤقتة. ورغم وجود بعض الحوافز والمكاسب المحدودة للجانب الإيراني، إلا أنها تظل ضئيلة جداً إذا ما قورنت بحجم الدمار الهائل والخسائر الاقتصادية التي تكبدتها طهران خلال الفترة الماضية.

إن المكاسب التي حصلت عليها إيران توصف بأنها 'شبه صفرية' بالنظر إلى تعطل شريان الحياة الاقتصادي نتيجة الحصار البحري الأمريكي. وقد أثبتت التجربة الأخيرة نجاعة الطوق المفروض على مضيق هرمز، والذي تسبب في خسارة طهران لنحو نصف مليار دولار يومياً، مما جعل النظام في وضع تفاوضي صعب للغاية.

وتمثل المرحلة الثانية من التفاوض الاختبار الحقيقي لنيات الأطراف، حيث سيتقرر خلالها إمكانية الوصول إلى اتفاق نهائي وشامل أو العودة إلى مربع التصعيد. ويبقى القلق قائماً من أن هذه الفترة الانتقالية قد تكون مجرد فرصة لواشنطن وتل أبيب لإعادة ترتيب الأوراق اللوجستية وتأمين متطلبات أي مواجهة عسكرية قادمة.

ولا يمكن إغفال شخصية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في هذه المعادلة، فهو يمتلك سوابق في الانسحاب المفاجئ من الاتفاقيات الدولية إذا شعر بأي مماطلة. هذا الاحتمال يضع الجانب الإيراني تحت ضغط مستمر لتنفيذ الالتزامات بدقة، خوفاً من عودة سياسة 'الضغوط القصوى' التي قد تكون هذه المرة أكثر فتكاً بالاقتصاد المنهك.

وتشير التقارير إلى أن الحصار البحري الذي اختبرته الولايات المتحدة أثبت قدرتها على شل الصادرات والواردات الإيرانية بشكل كامل. وفي حال استئناف العمليات العسكرية، فإن واشنطن ستكون في موقع يتيح لها تطبيق هذا الحصار بفاعلية أكبر، مما يقلص خيارات المناورة المتاحة أمام صانع القرار في طهران.

داخلياً، يواجه الاتفاق تحديات من أطراف فاعلة في كلا البلدين لا ترغب في رؤية أي تقارب دبلوماسي، حيث ترى هذه القوى أن مصالحها مرتبطة باستمرار حالة الصراع. هذه الأطراف المتضررة قد تسعى بشكل حثيث لإفشال الاتفاق الانتقالي خلال مهلة الستين يوماً المحددة، مما يضع العملية الدبلوماسية برمتها على كف عفريت.

إن التفسيرات المتضاربة حول 'النصر والهزيمة' تعكس رغبة كل طرف في تسويق الاتفاق لجمهوره الداخلي كإنجاز سياسي. ومع ذلك، فإن الواقع يشير إلى أن الاتفاق هو مجرد آلية لتثبيت وقف إطلاق النار وتجنب الانهيار الشامل، وليس تسوية نهائية تنهي حالة العداء الطويلة بين الطرفين.

ويبدو أن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان قد وضع مستقبله السياسي على المحك بقبوله تحمل مسؤولية هذا المسار، خاصة في ظل استمرار الحرس الثوري في عمليات ميدانية أحياناً تتعارض مع الخطاب الرسمي. هذا التضارب في الصلاحيات يضعف من صدقية الالتزامات الإيرانية أمام المجتمع الدولي ويزيد من شكوك الإدارة الأمريكية.

في المحصلة، يظل الاتفاق الأمريكي الإيراني الحالي 'اتفاق ضرورة' فرضته الظروف الاقتصادية والميدانية القاسية، بانتظار ما ستسفر عنه مفاوضات المرحلة المقبلة. ويبقى السؤال المطروح هو مدى قدرة الأطراف على الصمود أمام الضغوط الداخلية والتحولات المفاجئة في السياسة الخارجية الأمريكية قبل انتهاء المهلة المحددة.

ختاماً، فإن الأيام القادمة ستكشف ما إذا كان هذا الاتفاق جسراً نحو استقرار إقليمي جديد أم مجرد استراحة محارب قصيرة تسبق عاصفة أكبر. فالمعطيات الراهنة تشير إلى أن جميع الأطراف تستعد لأسوأ السيناريوهات حتى وهي تجلس على طاولة المفاوضات، مما يجعل السلام الدائم هدفاً بعيد المنال في الوقت الراهن.

دلالات

شارك برأيك

قراءة في الاتفاق الأمريكي الإيراني: تهدئة مرحلية أم تنازلات اضطرارية؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.