تتصاعد التساؤلات حول طبيعة التموضع الإسرائيلي المستقبلي في الضفة الغربية وقطاع غزة، تزامناً مع الإعلان الأمريكي عن توقيع مذكرة لإنهاء الحرب مع إيران، والتي شملت لبنان وحزب الله كأطراف في الاتفاق. ويبرز التساؤل الجوهري حول مدى قدرة الاحتلال على المضي قدماً في استراتيجيات ضم الضفة وإفراغ القطاع، في ظل تراكم الفشل الاستراتيجي في المواجهات الإقليمية.
إن التموضع الإسرائيلي الجديد بات غاية في التعقيد بعد الخطوة التي أقدم عليها الرئيسان الإيراني مسعود بزشكيان والأمريكي دونالد ترامب بتوقيع مذكرة التفاهم يوم الأربعاء الماضي. هذه المذكرة التي أوقفت الحرب، وضعت الاحتلال أمام خيارات صعبة في لبنان، تتراوح بين الانسحاب الكامل أو الاحتفاظ بمنطقة عازلة تضمن له يداً مطلقة ضد حزب الله.
وتشير القراءات السياسية إلى أن خيارات الاحتلال تبدو تأزيمية في مجملها، باستثناء سيناريو الانسحاب الذي قد يأتي كتفاهم شكلي مع الحكومة اللبنانية. ويُعتقد أن هذا المسار قد يكون مدفوعاً بحوافز تقدمها إدارة ترامب لنتنياهو في ملفي الضفة والقطاع، أو نتيجة ضغوط من الدولة العميقة لتجنب الصدام مع واشنطن.
في الداخل الإسرائيلي، عكست رسالة جماعية وقعها قادة أركان وجنرالات سابقون، من بينهم إيهود باراك وإيهود أولمرت، حجم الهواجس الأمنية من السلوك الحالي للحكومة. ودعت الرسالة بوضوح إلى وقف هجمات المستوطنين في الضفة الغربية، محذرة من تداعيات ذلك على الشراكات الأمنية الإقليمية والدولية للكيان.
وتتزامن هذه التحركات مع تحولات في الخارطة السياسية الداخلية، حيث أظهرت استطلاعات الرأي صعود حزب 'يشار' بزعامة غادي إيزنكوت وحصوله على 21 مقعداً. هذا الصعود يضع ضغوطاً إضافية على حزب الليكود، ويعكس رغبة قطاع من الجمهور في البحث عن بدائل للائتلاف اليميني الحاكم الحالي.
ويعيش الكيان حالة من التدافع الداخلي تحت تأثير الانقسام التقليدي بين اليمين القومي العلماني واليمين الديني القومي. هذا الانقسام يتغذى على الضغوط الأمريكية الرامية لإنفاذ الاتفاق مع طهران، ورغبة القوى الأوروبية في تثبيت الاستقرار للتفرغ لملفات دولية أخرى مثل الصراع مع روسيا والصين.
وقد ظهرت بوادر التحول في الأولويات الدولية مباشرة بعد الاتفاق الأمريكي الإيراني، حيث شنت أوكرانيا ضربات على منشآت نفطية روسية بضوء أخضر غربي. هذا التغير في المشهد العالمي يفرض على الأجندة الإسرائيلية إعادة جدولة أولوياتها لتتناسب مع متطلبات الحلفاء، دون التخلي بالضرورة عن طموحاتها التوسعية.
التموضع الإسرائيلي في الضفة وغزة عملية مستحيلة في ظل استراتيجية يمينية ثابتة وأولويات سياسية سريعة التغير.
وتخشى تيارات اليمين الديني القومي من فقدان فرصة تاريخية لابتزاز المجتمع الدولي والمضي في خطط الضم والتهجير. ويرى هؤلاء أن الرهان يجب أن يظل على 'النبوءات التوراتية' لا على التحالفات المتغيرة مع الغرب، مما يعمق الفجوة مع تيار الدولة العميقة الذي يفضل الحفاظ على الشراكة الاستراتيجية مع واشنطن.
وعلى الرغم من أن الانقسام داخل الكيان بنيوي، إلا أنه لم يتحول بعد إلى انقسام هيكلي حاد يؤدي إلى انهيار المؤسسات. ومع ذلك، فإن تغلغل اليمين الديني في مفاصل القضاء والأمن والخارجية بدأ يسحب البساط من تحت أقدام النخبة العلمانية التقليدية، مما يجعل السلوك الإسرائيلي يتسم بالتشرذم وغياب الحسم.
إن حالة الاستنزاف التي تعيشها الدولة العميقة في إسرائيل تجعل من مراهنة الدول الإقليمية على 'عقلانية' الكيان رهاناً محفوفاً بالمخاطر. فالانقسام الممتد إلى الجاليات والمؤسسات الداعمة في أمريكا وأوروبا يضعف من قدرة الاحتلال على اتخاذ قرارات استراتيجية موحدة بعيدة المدى.
وفيما يخص دول الجوار، وتحديداً الأردن ومصر، فإن الرهان على نجاح عملية إعادة التموضع الإسرائيلي قد يمثل خسارة صافية. فالاستراتيجية اليمينية تجاه الضفة وغزة تظل ثابتة في جوهرها التوسعي، مهما تغيرت الوجوه السياسية أو التكتيكات العسكرية المتبعة في الميدان.
ويحذر مراقبون من أن غياب الخيارات لدى الدول العربية والتمسك بتفاهمات أمنية قديمة قد تجاوزه الزمن. فالأحداث الإقليمية والدولية المتسارعة تتطلب مقاربات جديدة تتجاوز البنى التقليدية التي لم تعد قادرة على التعامل مع تعقيدات المشهد في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
إن عملية التكيف الإسرائيلية مع الواقع الجديد تبدو مكلفة ومعقدة، خاصة في ظل التناقض بين الأهداف الأيديولوجية لليمين والضرورات السياسية الدولية. هذا التناقض يجعل من أي تهدئة مؤقتة مجرد مرحلة انتقالية قبل جولات جديدة من التصعيد المرتبط بمشاريع الضم والتهجير.
ختاماً، يظل التموضع الإسرائيلي في المنطقة عملية شبه مستحيلة في ظل غياب رؤية سياسية موحدة داخل الكيان. وسواء كانت القيادة بيد اليمين المتطرف أو الجنرالات السابقين، فإن الجوهر الاستراتيجي يظل متمحوراً حول السيطرة، مما يجعل الاستقرار الإقليمي هدفاً بعيد المنال في المدى المنظور.





شارك برأيك
مخاض التموضع الإسرائيلي: بين اتفاق واشنطن وطهران وطموحات الضم في الضفة وغزة