بينما تزدحم العناوين العريضة في نشرات الأخبار بالحديث عن أزمة المقاصة، وعجز الموازنة، وتراكم الدين العام، هناك أزمة أخرى تتشكل بصمت تام داخل عشرات الآلاف من البيوت الفلسطينية. أزمة لا تجد طريقها إلى الصفحات الأولى عادة، لكنها تعتصر الحياة اليومية لشريحة واسعة من المواطنين؛ شريحة الموظفين العموميين الذين وجدوا أنفسهم، فجأة وبلا مقدمات، في مواجهة معادلة مستحيلة: رواتب منقوصة ومتقطعة، في مقابل التزامات مالية لا تعرف التأجيل.
الأرقام هنا ليست مجرد إحصائيات باردة، بل هي مرآة تعكس واقعاً ثقيلاً. فحسب بيانات سلطة النقد الفلسطينية بنهاية عام 2024، بلغت ديون موظفي القطاع العام وحدهم نحو 1.95 مليار دولار. نحن نتحدث عن 45% من الموظفين الذين يرزحون تحت وطأة قروض مصرفية متعددة. وإذا ما أضفنا قروض الحكومة إلى قروض موظفيها، فإننا نقف أمام كتلة مديونية تقارب 5 مليارات دولار، أي ما يعادل 45% من إجمالي التسهيلات الائتمانية التي يضخها الجهاز المصرفي بأسره.
وبحسابات تقريبية، يعني ذلك أن ما يقارب 70 ألف موظف حكومي يحملون اليوم التزامات مصرفية مباشرة ، أي ما يقارب 70 ألف أسرة تعيش تحت ضغط مزدوج من تراجع الدخل وثبات الدين.
هذه الكتلة الحرجة من الديون تتجاوز كونها هموماً فردية؛ إنها قنبلة اقتصادية واجتماعية موقوتة. فهي تمس مباشرة استقرار الأسر، وتضرب القدرة الشرائية في الأسواق المحلية في مقتل، وتلقي بظلالها على متانة الجهاز المصرفي ذاته.
طوال السنوات العجاف الماضية، لم يكن الموظف مجرد متفرج أو متلقٍ لتبعات الأزمة المالية، بل كان "خط الدفاع الأول" الذي امتص الصدمة. عاش جزء كبير من هؤلاء على أنصاف رواتب أو أقل، بينما ظلت فواتير الحياة ثابتة لا ترحم؛ فإيجار المنزل لا يعترف بنقص المقاصة، وأقساط الجامعات لا تقبل التأجيل، وشركات الكهرباء والمياه والاتصالات لا تصرف فواتيرها بالنيات الحسنة.
أمام هذا المشهد القاسي، لم يجد الموظف ملاذاً سوى اللجوء إلى القروض والتسهيلات المصرفية للحفاظ على الحد الأدنى من كرامة العيش. ومع استطالة أمد الأزمة، تحولت هذه القروض من أداة لتمويل الطموحات وتحسين جودة الحياة، إلى مجرد أكسجين صناعي للبقاء على قيد الحياة.
هنا، يجب أن نكون منصفين؛ لقد أدى الجهاز المصرفي الفلسطيني دوراً محورياً في احتواء جزء كبير من هذه التداعيات. استجابت البنوك لتعليمات سلطة النقد، فأعادت جدولة القروض، وأجلت الأقساط، وتعاملت بمرونة مع هذا الظرف الاستثنائي. لكن السؤال الذي يطرق أبوابنا اليوم بقوة: هل ما زالت هذه "المسكنات" التقليدية كافية بعد أن تحول الاستثناء إلى قاعدة، والأزمة الطارئة إلى واقع ممتد؟
إذا كانت الأزمة المالية قد استوطنت، فمن غير المنطقي، بل من الخطر، أن نستمر في معالجة ديون الموظفين بأدوات صُممت لأزمات عابرة.
هذا الطرح لا يعني بأي حال من الأحوال الهجوم على البنوك، ولا يطالب بإعفاءات عبثية تضر بالنظام المالي، كما أنه لا يسعى لتحميل الحكومة أعباء جديدة وهي التي تئن تحت وطأة ضغوط غير مسبوقة. بل هو دعوة عاجلة لفتح نقاش وطني جريء حول مفهوم غائب يجب أن يتصدر أولوياتنا: "الأمن المالي للأسرة الفلسطينية".
لقد استهلكنا الكثير من الحبر في الحديث عن الأمن الغذائي، والمائي، والطاقي، لكننا تجاهلنا الأمن المالي للأسرة؛ أي قدرتها على تلبية احتياجاتها الأساسية بكرامة، دون الغرق في مستنقع الديون.
من هذا المنطلق، آن الأوان للانتقال من سياسة "رد الفعل" إلى سياسة "التدخل الاستراتيجي"، عبر إطلاق برنامج وطني متكامل لإعادة تأهيل الوضع المالي للموظفين. هذا البرنامج يتطلب شراكة حقيقية بين الحكومة، وسلطة النقد، والبنوك، والمؤسسات التنموية، والصناديق العربية والإسلامية.
لا نتحدث هنا عن شطب للديون أو توزيع للأموال بالمجان، بل عن مسارات عملية قابلة للتطبيق الفوري، تشمل:
•إعادة هندسة الديون: عبر برامج جدولة طويلة الأجل تراعي نسبة الاستقطاع من الراتب الفعلي لا الدفتري.
•تخفيف كلفة التمويل: تقديم هوامش فائدة مخفضة، أو صفرية لبعض الحالات الإنسانية الصعبة.
•صناديق المساندة: إنشاء صناديق تكافلية أو استثمارية مدعومة من المانحين تستهدف الفئات الأكثر تضرراً وتوفر لهم فترات سماح حقيقية.
وربما يكون من المناسب دراسة إنشاء صندوق وطني لدعم تكلفة التمويل للموظفين الأكثر تضرراً، بحيث تتحمل الحكومة أو الجهات المانحة أو الصناديق العربية والإسلامية جزءاً من الفوائد أو تكاليف التمويل لفترة زمنية محددة، بما يخفف العبء عن الموظف دون المساس باستقرار الجهاز المصرفي.
الهدف من هذه الحلول ليس نقل الخسارة من جيب إلى آخر، بل تفكيك لغم اجتماعي واقتصادي يهدد الجميع. فكل شيكل يوفره الموظف من خدمة الدين، سيذهب مباشرة إلى السوق المحلي للاستهلاك، مما ينشط الدورة الاقتصادية الراكدة. والأهم، أن حماية الأسرة من التعثر المالي هي خطوة استباقية تحمي ميزانيات البنوك نفسها؛ فكلفة الوقاية اليوم أقل بكثير من كلفة معالجة الانهيار غداً.
على مدار السنوات الماضية، سمعنا الكثير عن خطط لإنقاذ الحكومة، ومبادرات لدعم القطاع الخاص، وإجراءات لحصانة الجهاز المصرفي. كل هذا ضروري ومهم، لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم على كل صانع قرار: من ينقذ الموظف؟
لم يختلق الموظف هذه الأزمة، لكنه دفع فاتورتها كاملة. أثبت صموداً أسطورياً وقدرة عجيبة على التكيف، لكن حذارِ من الرهان المفتوح على صبره؛ فهو لا يستطيع أن يبقى إلى الأبد الحلقة الأضعف في سلسلة الاختلالات الاقتصادية.
إننا لا نبحث عن شعارات شعبوية ولا قرارات انفعالية، بل عن رؤية دولة تدرك أن استقرار الاقتصاد الكلي يبدأ من مطبخ الأسرة، وأن الأمن المالي للمواطن هو صمام الأمان الحقيقي للمجتمع.
السؤال اليوم ليس كيف سندفع رواتب الشهر القادم؟ بل كيف سنعيد ترميم الملاءة المالية لعشرات الآلاف من الأسر التي نزفت طويلاً؟ إن الاستثمار في صمود الإنسان الفلسطيني وكرامته ليس ترفاً اجتماعياً، بل هو أقدس وأهم استثمار اقتصادي في بقاء هذا الوطن.





شارك برأيك
من ينقذ الموظف الفلسطيني؟ نحو منظومة وطنية للأمن المالي الأسري