اسرائيليات

الأحد 14 يونيو 2026 6:13 مساءً - بتوقيت القدس

صراع الممرات البرية: سباق تركي سعودي لتجاوز مضيق هرمز ومنافسة المشروع الإسرائيلي

تشهد منطقة الشرق الأوسط تحولات استراتيجية متسارعة في إعادة رسم خارطة التجارة العالمية، مدفوعة بتصاعد التوترات الأمنية في الممرات البحرية الحيوية مثل مضيقي هرمز وباب المندب. وتدفع هذه التهديدات المتكررة للملاحة الدولية الدول الإقليمية نحو البحث عن بدائل برية لوجستية تربط القارة الآسيوية بالأسواق الأوروبية بعيداً عن نقاط الاختناق المائية.

وأفادت مصادر إعلامية عبرية بأن الحصار غير المباشر الذي يفرضه الواقع الجيوسياسي على مضيق هرمز، نتيجة التجاذبات الدولية وهجمات الحوثيين في البحر الأحمر، كشف عن هشاشة الاعتماد الكلي على المعابر البحرية. هذا الواقع الجديد حفز القوى الإقليمية على تسريع وتيرة العمل في مشاريع السكك الحديدية والطرق البرية العابرة للحدود.

ويبرز في هذا السياق مشروعان رئيسيان يتنافسان على قيادة التحول اللوجستي في المنطقة، حيث يتمثل المسار الأول في ممر جغرافي يربط المملكة العربية السعودية بتركيا مروراً بالأراضي الأردنية والسورية. ويهدف هذا المسار إلى خلق شريان تجاري مستدام يقلل من تكاليف الشحن البحري ومخاطره الأمنية المتزايدة.

في المقابل، تطرح إسرائيل مشروعاً موازياً يسعى لربط الهند بأوروبا عبر دول الخليج والأردن وصولاً إلى الموانئ الإسرائيلية على البحر المتوسط. ومع ذلك، تشير التقارير إلى أن هذا المشروع يواجه تحديات لوجستية وسياسية أدت إلى تأخره مقارنة بالتقدم الملموس الذي يحرزه المسار التركي السعودي المشترك.

وفي خطوة عملية لتعزيز هذا التوجه، أعلن وزير النقل والبنية التحتية التركي، عبد القادر أورال أوغلو، عن توقيع مذكرات تفاهم استراتيجية مع الجانب السعودي في الرياض. وتشمل هذه الاتفاقيات تطوير قطاعات السكك الحديدية والخدمات اللوجستية، بما يخدم رؤية البلدين في تعزيز الربط التجاري الإقليمي.

من جهته، أكد وزير النقل والخدمات اللوجستية السعودي، صالح الجاسر، على وجود مستوى رفيع من التنسيق بين الرياض وأنقرة لتطوير البنية التحتية المشتركة. وأوضح الجاسر أن هذه التفاهمات تهدف إلى تبادل الخبرات وإجراء دراسات معمقة لتحسين الربط البري والبحري والجوي بين البلدين بشكل يتكامل مع سلاسل الإمداد العالمية.

وتعيد هذه التحركات إحياء أفكار تاريخية لربط المنطقة برياً، حيث استذكرت المصادر مشروع سكة حديد الحجاز الذي أنشئ عام 1908 لربط دمشق بالمدينة المنورة. ورغم أن المشروع القديم كان يخدم أغراضاً دينية وعسكرية، إلا أن الرؤية الجديدة تركز بشكل كامل على الأبعاد الاقتصادية ونقل البضائع لضمان استقرار التجارة الدولية.

وعلى صعيد متصل، تسعى سوريا لاستعادة دورها كمركز لوجستي محوري في المنطقة مستغلة موقعها الجغرافي الذي يربط الخليج العربي بالبحر المتوسط. وقد برزت تصريحات رسمية سورية تؤكد الرغبة في تحويل البلاد إلى ممر استراتيجي يخدم حركة التجارة بين تركيا ودول الخليج، ضمن خطة شاملة لإعادة التموضع الاقتصادي.

وتعمل دمشق حالياً على مشروع طموح يُعرف باسم 'البحار الأربعة'، والذي يهدف إلى إنشاء شبكة نقل وطاقة متكاملة تربط بين الخليج العربي والبحر المتوسط وبحر قزوين والبحر الأسود. ويُنظر إلى هذا المشروع كجزء من رؤية أوسع لتعزيز التكامل الإقليمي في مجالات البنية التحتية والطاقة العابرة للقارات.

وفي الجانب الآخر، تحاول إسرائيل تسويق مبادرتها كبديل لتجاوز نقاط الاختناق في مضيق هرمز، إلا أن المبادرة لا تزال تواجه عقبات في مراحل النقاش الأولية. وتتزايد الشكوك حول قدرة هذا المسار على منافسة المسارات الأخرى التي بدأت بالفعل في اتخاذ خطوات إجرائية وتوقيع اتفاقيات دولية ملزمة.

ولا تقتصر البدائل على السكك الحديدية فقط، بل تمتد لتشمل مشروعات الطاقة، حيث تعمل دول خليجية على تطوير خطوط أنابيب نفطية برية عملاقة. ومن أبرز هذه المشاريع خط أنابيب يربط بين أبوظبي والفجيرة، والمقرر دخوله الخدمة في عام 2027، لضمان تدفق الصادرات النفطية بعيداً عن تهديدات مضيق هرمز.

إن السباق المحموم على الممرات البرية يعكس رغبة دول المنطقة في تقليل الارتهان للممرات المائية التي باتت ساحة للصراعات الدولية. ويمثل نجاح أي من هذه المسارات إعادة صياغة لموازين القوى الاقتصادية، حيث ستتحول الدول التي تمر عبرها هذه الممرات إلى مراكز ثقل عالمية في خارطة اللوجستيات.

ويرى مراقبون أن التقدم التركي السعودي في هذا الملف يعطي مؤشراً على جدية القوى الإقليمية الكبرى في بناء تحالفات اقتصادية تتجاوز الخلافات السياسية التقليدية. فالحاجة إلى تأمين سلاسل الإمداد الغذائي والصناعي باتت أولوية قصوى تتطلب بنية تحتية صلبة ومسارات برية آمنة ومستقرة.

ختاماً، يبقى التحدي الأكبر أمام هذه المشاريع هو الاستقرار السياسي في دول العبور مثل سوريا ولبنان، وضمان التمويل الضخم اللازم لتنفيذ شبكات السكك الحديدية الحديثة. ومع ذلك، فإن الضغوط التي يفرضها الواقع الأمني في البحار تجعل من هذه البدائل البرية ضرورة حتمية لا خياراً ثانوياً في المستقبل القريب.

دلالات

شارك برأيك

صراع الممرات البرية: سباق تركي سعودي لتجاوز مضيق هرمز ومنافسة المشروع الإسرائيلي

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.