اقتصاد

الجمعة 12 يونيو 2026 12:43 مساءً - بتوقيت القدس

جدل حول هيكلة إمبراطورية الجيش الاقتصادية في مصر: قانون جديد يلوح في الأفق

أثار خبر حذفته منصة إخبارية اقتصادية كبرى جدلاً واسعاً في الأوساط المصرية، بعدما كشف عن توجه حكومي لإعداد قانون خاص بجهاز 'مستقبل مصر للتنمية المستدامة'. ويهدف التشريع المرتقب إلى إنهاء تبعية الجهاز للقوات الجوية وتحويله إلى أحد أجهزة الدولة المدنية، مع توسيع صلاحياته عبر نقل ملكية شركات حكومية ذات أنشطة مشابهة إليه.

وتشير المعلومات المسربة إلى أن هذا التحول القانوني يسعى لمنح الجهاز إطاراً مؤسسياً أكثر وضوحاً، مما يعزز دوره كمظلة استثمارية كبرى في قطاعات الزراعة والصناعة والتخزين. ورغم غياب الرد الرسمي من السلطات المصرية بالنفي أو التأكيد، إلا أن مراقبين قرأوا الخطوة كجزء من محاولات صناعة رأي عام جديد حول دور المؤسسات العسكرية في الاقتصاد.

ويرتبط هذا الحراك بتصريحات لمسؤولين في وحدة الشركات المملوكة للدولة، أكدوا فيها أن شركات جهاز الخدمة الوطنية تخضع لرقابة إدارية وتنسيق مستمر بشأن رفع رأس المال. وتعكس هذه التصريحات رغبة في إظهار الانضباط المؤسسي والشفافية في التعامل مع الكيانات التابعة للجيش، تماشياً مع برامج التنظيم الحكومية المعلنة مؤخراً.

منذ تأسيسه بقرار رئاسي في مايو 2022، تحول جهاز 'مستقبل مصر' من مشروع زراعي محدود بمحور الضبعة إلى إمبراطورية اقتصادية تهيمن على ملفات الأمن الغذائي والبحيرات والتصنيع. وقد استحوذ الجهاز في وقت قياسي على صلاحيات كانت تتبع وزارات الزراعة والتموين وهيئة الثروة السمكية، مما أثار تساؤلات حول تداخل الاختصاصات مع الأجهزة المدنية.

ويرى خبراء قانونيون أن الحديث عن قانون خاص بالجهاز قد يكون استجابة غير مباشرة لشروط صندوق النقد الدولي، الذي يضغط لتقليص دور المؤسسة العسكرية في النشاط التجاري. ويطالب الصندوق بضرورة تخارج الجيش من عشرات الشركات التي تتمتع بمزايا تفضيلية، مثل الإعفاءات الضريبية وسهولة الوصول إلى الأراضي والعمالة الرخيصة.

وعلى الرغم من الوعود الحكومية المتكررة منذ عام 2022 بطرح شركات تابعة للجيش مثل 'صافي' و'وطنية' في البورصة، إلا أن التنفيذ الفعلي لا يزال متعثراً على أرض الواقع. ويشير باحثون في مراكز دولية إلى وجود مقاومة داخلية من بعض الدوائر العسكرية التي تعرقل عمليات البيع أو دخول المستثمرين الأجانب إلى مناطق استراتيجية.

وفي هذا السياق، يرى محللون استراتيجيون أن هناك فرقاً جوهرياً بين إعادة الهيكلة الشكلية التي تغير المسميات فقط، وبين الإصلاح الجوهري الذي يخضع هذه الكيانات للرقابة المدنية الكاملة. فالإصلاح الحقيقي يتطلب نشر قوائم مالية مدققة، والإفصاح عن الأصول والديون، وضمان المساواة التنافسية مع القطاع الخاص المحلي والأجنبي.

وإذا ما تم تنفيذ هيكلة حقيقية، فإن الدولة ستتمكن لأول مرة من معرفة القيمة الفعلية لهذه الأصول الضخمة وحجم إيراداتها التي ظلت لسنوات خارج الموازنة العامة. كما سيؤدي ذلك إلى تحسين مناخ الاستثمار، حيث لا يمكن للمستثمر الخاص منافسة شركات تحصل على تمويلات وإعفاءات لا تتوفر لغيرها في السوق المفتوح.

ومن الفوائد المتوقعة أيضاً استخدام حصيلة طرح هذه الشركات في خفض الدين العام المتفاقم، بدلاً من توجيه الأرباح إلى صناديق مغلقة لا تخضع لرقابة البرلمان. كما أن إدراج هذه الكيانات في البورصة سيفرض قواعد حوكمة صارمة تمنع استخدام الشركات كأدوات لتنفيذ قرارات سياسية غير اقتصادية.

ويرى مراقبون أن إعادة الهيكلة قد تسمح للمؤسسة العسكرية بالتركيز على مهمتها الدستورية الأساسية في حماية الأمن القومي ورفع الكفاءة القتالية. فإعفاء الضباط من مسؤوليات إدارة مصانع الإسمنت والمواد الغذائية والفنادق قد يساهم في تعزيز الاحترافية العسكرية بعيداً عن تعقيدات السوق والمنافسة التجارية.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو مدى قبول القيادات العسكرية لهذه التغييرات التي قد تمس شبكات مصالح واسعة تراكمت عبر عقود. فبينما قد تُقبل الهيكلة التدريجية التي تحفظ مكانة المؤسسة، فإن المقاومة قد تشتد إذا امتدت الإصلاحات إلى جوهر النفوذ المالي والسيطرة على الأراضي والأصول الاستراتيجية.

وتمثل هذه المرحلة نقطة احتكاك محتملة بين القيادة السياسية وجنرالات الجيش، خاصة وأن النظام الحالي هو من وسع اعتماد الدولة على العسكر في تنفيذ المشروعات القومية. لذا فإن التراجع عن هذا النموذج يتطلب خطاباً سياسياً حذراً يقدم الإصلاح كوسيلة لحماية المؤسسة من تقلبات الأزمات المالية الدولية.

وتشير تقارير دولية إلى أن الجيش المصري يدير حالياً إمبراطورية تشمل قطاعات الحديد، والأسمنت، والإعلام، والتبغ، وحتى أشباه الموصلات وأنظمة النقل الذكية. وتتمتع هذه المشروعات بإعفاءات قانونية من ضريبة القيمة المضافة والضرائب العقارية والرسوم الجمركية، مما يجعلها في وضع تنافسي غير متكافئ مع القطاع المدني.

وفي نهاية المطاف، يبقى الاختبار الحقيقي أمام الحكومة المصرية هو وضع جدول زمني معلن للانسحاب من الأنشطة غير الاستراتيجية وإخضاع كافة الكيانات لرقابة الجهاز المركزي للمحاسبات. إن الشفافية في نشر نتائج الرقابة وتوريد الأرباح للخزانة العامة هي الضمانة الوحيدة لتحقيق إصلاح اقتصادي هيكلي يخرج البلاد من أزمتها الراهنة.

دلالات

شارك برأيك

جدل حول هيكلة إمبراطورية الجيش الاقتصادية في مصر: قانون جديد يلوح في الأفق

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.