عربي ودولي

الأربعاء 10 يونيو 2026 8:58 مساءً - بتوقيت القدس

موسكو تبحث مع دمشق "إعادة هيكلة" تواجدها العسكري في قاعدتي حميميم وطرطوس

كشفت وزارة الخارجية الروسية عن مرحلة جديدة من التنسيق مع السلطات السورية، مؤكدة أن التعاون الثنائي يشهد تطوراً ملحوظاً في الآونة الأخيرة. وأوضحت المصادر الدبلوماسية أن موسكو تتباحث حالياً مع دمشق حول صياغة جديدة للوجود العسكري الروسي، تشمل "إعادة هيكلة محتملة" للقواعد الاستراتيجية التي تديرها روسيا على الأراضي السورية.

تأتي هذه التحركات الروسية في أعقاب التحولات السياسية الكبرى التي شهدتها سوريا في ديسمبر 2024، والتي أدت إلى رحيل النظام السابق وتولي أحمد الشرع رئاسة البلاد. وقد أثارت هذه التغيرات تساؤلات دولية واسعة حول مصير التفاهمات العسكرية السابقة، خاصة فيما يتعلق بقاعدة حميميم الجوية وقاعدة طرطوس البحرية اللتين تشكلان ركيزة النفوذ الروسي في المنطقة.

المتحدثة باسم الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، أشارت في تصريحات صحفية إلى أن ملف الوجود العسكري بات مطروحاً على طاولة النقاش مع الشركاء السوريين الجدد. وأكدت زاخاروفا أن الهدف من هذه المباحثات هو مواءمة دور المنشآت العسكرية الروسية مع المتطلبات الراهنة، بما يضمن استمرارية التعاون الفعال بين البلدين في المجالات الأمنية واللوجستية.

من الناحية الاستراتيجية، تفتح هذه التصريحات الباب أمام قراءات متعددة حول طبيعة التحول في السياسة الدفاعية الروسية تجاه سوريا. ويرى مراقبون أن مصطلح "إعادة الهيكلة" قد يشير إلى رغبة موسكو في تثبيت نفوذها عبر صيغ قانونية وعملياتية جديدة تتناسب مع الواقع السياسي الذي أفرزته المرحلة الانتقالية في دمشق.

ويعتبر الخبراء أن الوجود العسكري الروسي يرتكز على دعامتين أساسيتين، أولهما قاعدة حميميم في محافظة اللاذقية التي تعد القلب النابض للعمليات الجوية. وتكتسب هذه القاعدة أهمية استثنائية كونها نقطة الارتكاز الرئيسية لأنشطة موسكو العسكرية ليس فقط في سوريا، بل وفي منطقة شرق البحر المتوسط بأكملها.

أما الدعامة الثانية فتتمثل في مركز الدعم اللوجستي البحري في طرطوس، الذي يمثل المنفذ الوحيد للأسطول الروسي على المياه الدافئة للمتوسط. وتؤدي هذه القاعدة دوراً حيوياً في تأمين سلاسل الإمداد والخدمات الفنية للسفن الحربية الروسية، مما يجعلها أصلاً استراتيجياً لا يمكن لموسكو الاستغناء عنه بسهولة في ظل التنافس الجيوسياسي القائم.

وبحسب مصادر تحليلية، فإن الوجود الروسي لا يقتصر على هاتين القاعدتين الكبريتين، بل يمتد ليشمل شبكة من المرافق العسكرية الصغرى ونقاط الدعم الفني. وتعمل هذه النقاط المنتشرة في عدة مناطق سورية كأذرع مساندة ترتبط إدارياً ووظيفياً بالقيادة المركزية في حميميم، مما يساهم في تعزيز كفاءة العمليات العسكرية واستدامتها.

وفي قراءة لمفهوم "إعادة الهيكلة"، يرى مختصون في العلاقات الدولية أن هذا الطرح لا يعني بالضرورة نية موسكو الانسحاب أو تقليص حضورها بشكل دراماتيكي. بل على العكس، قد تهدف العملية إلى إعادة تنظيم القوات وتوزيع مهامها بما يتوافق مع التحديات الأمنية الجديدة التي تواجهها الدولة السورية في مرحلة ما بعد التغيير.

وقد تشمل الخطوات القادمة دمج بعض الوحدات العسكرية أو إعادة توزيعها جغرافياً، مع التركيز على المواقع ذات القيمة الاستراتيجية العالية وتفكيك النقاط الثانوية. هذا التوجه يهدف إلى رفع كفاءة استخدام الموارد العسكرية واللوجستية المتاحة، مع الحفاظ على قدرة الردع اللازمة لحماية المصالح الروسية الحيوية في المنطقة.

كما تبرز تساؤلات حول إمكانية تحويل بعض هذه المنشآت إلى مراكز ذات طابع مدني أو تجاري جزئياً، مثل إنشاء مراكز للإمداد والتموين لتوزيع السلع الروسية. هذا التحول إن حدث، سيعزز من القوة الناعمة لروسيا في سوريا ويحول الوجود العسكري الصرف إلى شراكة اقتصادية وأمنية متكاملة تخدم الطرفين في المدى الطويل.

ويرى الدكتور باسل الحاج جاسم، الخبير في الشؤون الدبلوماسية أن موسكو تسعى من خلال هذه المفاوضات إلى ضمان استقرار نفوذها في شرق المتوسط بعيداً عن تقلبات السياسة الداخلية. وأوضح أن إعادة الهيكلة هي عملية تقنية وسياسية تهدف إلى شرعنة الوجود العسكري في ظل القوانين والاتفاقيات التي قد تبرمها الحكومة السورية الجديدة.

إن الحفاظ على قاعدتي حميميم وطرطوس يظل أولوية قصوى لصناع القرار في الكرملين، نظراً لارتباطهما المباشر بالأمن القومي الروسي وتوازنات القوى مع حلف شمال الأطلسي. ولذلك، فإن أي تغيير في هيكلية هذه القواعد سيتم بدقة متناهية لضمان عدم حدوث أي فراغ أمني قد تستغله أطراف إقليمية أو دولية أخرى.

من جانبها، تبدو الحكومة السورية برئاسة أحمد الشرع مهتمة بتعريف جديد للعلاقة مع القوى الدولية، بما يحفظ السيادة الوطنية ويحقق المصالح الاستراتيجية. وتأتي مناقشة الوجود الروسي في هذا السياق كجزء من عملية مراجعة شاملة لكافة الاتفاقيات الخارجية التي ورثتها الدولة عن الحقبة السابقة، مع مراعاة التوازنات الميدانية.

في الختام، تظل الأنظار متجهة نحو ما ستسفر عنه جولات الحوار القادمة بين دمشق وموسكو لتحديد الملامح النهائية لهذا الوجود. ومن المتوقع أن تؤدي إعادة الهيكلة إلى ظهور نموذج جديد للتعاون العسكري، يركز على الكيف لا الكم، ويضمن لروسيا بقاءً استراتيجياً هادئاً ومستقراً في واحدة من أكثر مناطق العالم تعقيداً.

دلالات

شارك برأيك

موسكو تبحث مع دمشق "إعادة هيكلة" تواجدها العسكري في قاعدتي حميميم وطرطوس

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.