أقلام وأراء

الأربعاء 10 يونيو 2026 12:58 مساءً - بتوقيت القدس

في ذكرى رحيل الكواكبي.. لماذا تظل الدولة الأمنية عائقاً أمام التحول الديمقراطي؟

تحل ذكرى رحيل المفكر السوري عبد الرحمن الكواكبي لتفتح من جديد جراح الأسئلة المعلقة حول طبيعة الحكم في المنطقة العربية. فبعد مرور أكثر من قرن على غيابه، لا يزال سؤاله الجوهري حول طبائع الاستبداد يفرض نفسه على الواقع السوري والعربي المثقل بالحروب والانهيارات المؤسساتية.

إن الإشكالية التي طرحها الكواكبي لم تكن مرتبطة بشخص الحاكم أو هويته، بل بالبنية السياسية التي تسمح بتحول السلطة إلى أداة لقمع المجتمع بدلاً من تنظيمه. هذا التحول يجعل من الدولة إطاراً يخشى مواطنيه، مما يؤدي إلى تآكل الثقة المتبادلة وتحول المجال العام إلى ساحة للضبط والرقابة الصارمة.

يرى الكواكبي أن الاستبداد منظومة شاملة تتجاوز حدود العمل السياسي لتطال العلم والدين والأخلاق، حيث يتحول الخوف إلى نمط حياة يومي. وفي ظل هذه البيئة، يصبح الصمت وسيلة وحيدة للنجاة الفردية، مما يعطل قدرة المجتمع على الفعل الجماعي أو التأثير في صناعة القرار الوطني.

لو أسقطنا فكر الكواكبي على الواقع السوري المعاصر، لوجدنا أن الأزمة لا تكمن فقط في شكل النظام، بل في عمق العلاقة بين الدولة والمواطن. فقد جرى على مدى عقود تهميش دور الإنسان بوصفه شريكاً، ليتحول إلى مجرد موضوع للإدارة الأمنية والضبط الإحصائي بعيداً عن أي فاعلية سياسية.

تتجلى خطورة 'الدولة الأمنية' في قدرتها على إعادة إنتاج نفسها حتى بعد تغير الشعارات أو النخب السياسية الحاكمة. فالمشكلة تبدأ عندما ترى السلطة في مشاركة الناس مصدر تهديد لشرعيتها، مما يدفعها لتوسيع صلاحيات الأجهزة الرقابية على حساب المؤسسات المدنية والتمثيلية.

في هذا السياق، يلتقي فكر الكواكبي مع أطروحات مالك بن نبي الذي بحث في الشروط النفسية والاجتماعية التي تجعل المجتمعات قابلة للهيمنة. فغياب شروط الفاعلية لدى المواطن يجعل من السهل إعادة إنتاج أنماط الاستبداد القديمة بأسماء وعناوين جديدة تفتقر للجوهر الديمقراطي.

وتبرز هنا رؤية المفكرة غاياتري سبيفاك حول قدرة 'التابع' على الكلام، وهي قضية تمس صلب الدولة الأمنية التي تنتج مواطناً صامتاً. فالسلطة في هذه النظم تتحدث دائماً نيابة عن الشعب، وتصادر صوته لصالح أيديولوجيات ونخب تدعي تمثيله بينما هي تقصيه عن الواقع.

أما علي عزت بيغوفيتش، فقد قدم بعداً أخلاقياً للمسألة بربطه الوثيق بين الحرية والمسؤولية الفردية والجماعية. فالدولة الحرة في نظره لا تقوم على النصوص القانونية فحسب، بل تتطلب وجود إنسان يمتلك الشجاعة لممارسة النقد والمساءلة وتحمل تبعات خياراته السياسية.

إن الانتقال الحقيقي من الاستبداد إلى الحرية لا يتحقق بمجرد استبدال الوجوه في قمة الهرم السياسي، بل بتغيير الثقافة السياسية السائدة. وهذا يتطلب بناء علاقة جديدة تقوم على الثقة بدلاً من الخوف، وعلى الشراكة بدلاً من التبعية المطلقة لمراكز القوى الأمنية.

التحدي الذي يواجه السوريين اليوم هو كيفية بناء مؤسسات قادرة على منع عودة الاستبداد بأشكاله المتعددة والمستحدثة. ولا يمكن تحقيق ذلك دون استعادة المجال العام وتفعيل دور المواطن كعنصر أساسي في مراقبة السلطة وضبط صلاحياتها عبر أدوات دستورية وقانونية ناجعة.

لقد أثبتت التجارب المريرة أن إسقاط الأنظمة لا يعني بالضرورة سقوط الاستبداد إذا ظلت شروط إنتاجه قائمة في بنية المجتمع والدولة. فالمؤسسات الجديدة تظل هشة ما لم تسندها ثقافة سياسية تؤمن بحق الاختلاف وتكرس مبدأ التداول السلمي للسلطة بعيداً عن منطق الغلبة.

يبقى سؤال الكواكبي مفتوحاً أمام الأجيال الحالية: هل يمكن بناء دولة ترى في الإنسان شريكاً أصيلاً لا مجرد تابع مأمور؟ إن الإجابة تتطلب جهداً جماعياً يتجاوز الطروحات النظرية نحو ممارسات عملية تعيد الاعتبار للمواطنة بوصفها الركيزة الأساسية لأي استقرار سياسي مستدام.

إن الخروج من إرث الخوف الطويل يتطلب شجاعة في نقد الذات ونقد الموروث السياسي الذي شرعن التغول الأمني على حساب الحقوق المدنية. وبدون هذه المراجعة الشاملة، ستظل المنطقة تدور في حلقة مفرغة من تغيير الأسماء مع بقاء جوهر السلطة المطلقة.

ختاماً، فإن ذكرى الكواكبي ليست مجرد استعادة للتاريخ، بل هي دعوة لاستكمال مشروع النهضة الذي بدأه قبل قرن وربع. إنها مهمة جيل يسعى لصياغة عقد اجتماعي جديد يضمن كرامة الإنسان ويجعل من المجتمع المصدر الوحيد والشرعي لكل سلطة سياسية.

دلالات

شارك برأيك

في ذكرى رحيل الكواكبي.. لماذا تظل الدولة الأمنية عائقاً أمام التحول الديمقراطي؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.