عربي ودولي

الثّلاثاء 09 يونيو 2026 7:58 مساءً - بتوقيت القدس

مأزق ترامب في الخليج: حرب بلا مخرج ومفاوضات متعثرة تحت وطأة النفط

يجد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه اليوم في مواجهة حقيقة مرة تتمثل في تعثر وعوده بإنهاء الصراع مع إيران، فبعد إعلانه في الثالث والعشرين من أيار/مايو الماضي عن قرب التوصل لاتفاق تاريخي، لا تزال المدافع تتحدث بدلاً من الدبلوماسيين. الواقع الميداني يشير إلى استمرار تبادل إطلاق النار بانتظام بين القوات الأمريكية والإيرانية، مما يضع مصداقية الإدارة الأمريكية على المحك أمام الرأي العام المحلي والدولي.

التصعيد العسكري أخذ منحى خطيراً خلال الأسبوع الماضي، حيث استهدف هجوم بطائرة مسيرة إيرانية مطار الكويت الدولي، مما تسبب في أضرار جسيمة بالمرفق الحيوي. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل شهد يوم الأحد الماضي إطلاق إيران لصواريخ باليستية باتجاه دولة الاحتلال، التي سارعت بالرد عسكرياً، مما زاد من اشتعال الجبهات الإقليمية المترابطة.

في قلب هذه الأزمة، يبرز إغلاق مضيق هرمز كأخطر سلاح اقتصادي تستخدمه طهران، حيث توقفت حركة المرور فيه بشكل شبه كامل باستثناء ممرات محدودة للغاية. هذا الإغلاق يهدد شريان الحياة لنحو 20 بالمئة من إمدادات النفط العالمية، مما دفع المحللين للتحذير من قفزة تاريخية في الأسعار قد تصل بالبرميل إلى حاجز 150 دولاراً إذا استمر الانسداد حتى تموز/يوليو المقبل.

داخلياً، يواجه ترامب ضغوطاً من الجناح المتشدد في الحزب الجمهوري، حيث قاد وزير الخارجية السابق مايك بومبيو حملة انتقادات ضد الشروط المسربة للاتفاق المقترح. بومبيو اعتبر أن تقديم تنازلات مالية لطهران يمثل تكراراً لـ 'خطيئة' اتفاق عام 2015 الذي أبرمه باراك أوباما، وهو الاتفاق الذي طالما سخر منه ترامب ووصفه بالضعيف والمخزي.

رد البيت الأبيض على هذه الانتقادات جاء حاداً على لسان مدير الاتصالات ستيفن تشيونغ، الذي هاجم بومبيو علانية، معتبراً أنه لا يفقه شيئاً في فن التفاوض الصامت. ومع ذلك، يبدو أن هذه الضغوط اليمينية قد آتت أكلها، حيث تراجع ترامب عن عرضه الأول وقدم عرضاً مضاداً أكثر صرامة، مما أدى إلى تجميد المفاوضات الحالية ووصولها إلى طريق مسدود.

المطالب الإيرانية تبدو تعجيزية بالنسبة لإدارة ترامب، حيث تشترط طهران الإفراج الفوري عن 12 مليار دولار من أصولها المجمدة مقابل إعادة فتح مضيق هرمز. كما تطالب بـ 12 مليار دولار إضافية كبادرة حسن نية خلال فترة مفاوضات تمتد لستين يوماً لمناقشة ملفها النووي، وهو ما يضع ترامب في موقف محرج أمام قاعدته الانتخابية التي وعدها بـ 'أقصى قدر من الضغط'.

يتجنب ترامب بشكل واضح أي تورط عسكري بري واسع النطاق، مبرراً ذلك برغبته في عدم تكرار تجربة جيمي كارتر الفاشلة في إنقاذ الرهائن عام 1980. هذا الحذر يعكس رغبة الرئيس في تجنب 'الغبار النووي' والتكاليف البشرية والسياسية للحروب المفتوحة، لكنه في الوقت ذاته يتركه عالقاً في وضع راهن يتسم بالاستنزاف المستمر دون أفق للحل.

في محاولة للهروب من الواقع، يلجأ ترامب أحياناً إلى الفضاء الافتراضي، حيث نشر مراراً منشورات تتخيل استسلاماً إيرانياً كاملاً وتوقيع وثائق 'النصر البارع'. هذه التمنيات تصطدم بواقع ميداني يثبت أن القوة الجوية المتفوقة للولايات المتحدة ودولة الاحتلال لم تنجح حتى الآن في إجبار النظام الإيراني على الرضوخ للشروط الأمريكية المتطرفة.

تشير التحليلات إلى أن ترامب يواجه المعضلة ذاتها التي واجهها رؤساء سابقون في فيتنام وأفغانستان، وهي أن التفوق العسكري لا يعني بالضرورة النصر السياسي. فالنظام الإيراني ينظر إلى هذا الصراع كمعركة وجودية، مما يمنحه قدرة أكبر على تحمل الضربات والصبر الاستراتيجي، تطبيقاً لمقولة 'أنتم تملك الساعات ونحن نملك الوقت'.

الاقتصاد الأمريكي لا يزال يظهر صموداً، خاصة في سوق الأسهم، وهو ما يمنح ترامب هامشاً للمناورة والترويج لنجاحاته الاقتصادية رغم الفشل العسكري. لكن هذا الصمود مهدد بالانهيار إذا استمر نفاد احتياطيات النفط العالمية، حيث تحذر مؤسسة 'أكسفورد إيكونوميكس' من أن القدرة على تحمل إغلاق المضيق لها حدود زمنية قصيرة جداً.

لقد وضع ترامب نفسه في زاوية ضيقة بمطالبته بـ 'استسلام غير مشروط' من إيران، بينما يستخدم أدوات عسكرية محدودة لا تكفي لتغيير الأنظمة. هذا التناقض بين الأهداف الطموحة والوسائل المتاحة منح طهران فرصة للسيطرة على المشهد العالمي من خلال التحكم في تدفقات الطاقة، وتحويل برميل النفط إلى أداة ضغط سياسي دولية.

الخبراء يرون أن أفضل سيناريو يمكن أن يطمح إليه ترامب الآن هو العودة إلى نقطة الصفر، أي القبول بشروط مشابهة لاتفاق أوباما الذي انسحب منه. هذا المخرج سيتطلب دفع مبالغ مالية ضخمة تحت مسميات مختلفة، وهو ما قد يوصف بأنه 'أغلى تراجع' في مسيرة ترامب السياسية، حيث سيضطر لشراء الاستقرار بثمن باهظ.

التجربة القاسية في الخليج قد تدفع الرئيس الأمريكي لإعادة التفكير في جدوى شن حروب جديدة أو التدخل في صراعات معقدة بالشرق الأوسط. فالحروب التي تبدأ كـ 'مغامرات قصيرة' غالباً ما تتحول إلى استنزاف طويل الأمد، خاصة عندما يواجه الخصم تهديداً وجودياً يجعله مستعداً للتضحية بكل شيء مقابل البقاء.

في نهاية المطاف، يبقى السؤال معلقاً حول من سيصرخ أولاً في هذه المواجهة، فبينما يراهن ترامب على قوته الاقتصادية وقدرته على الترويج، تراهن إيران على عامل الوقت والجغرافيا. والنتيجة الحتمية حتى الآن هي أن العالم يدفع ثمن هذا الصراع من أمنه الطاقي واستقراره الإقليمي، في انتظار صفقة قد لا تأتي قريباً.

دلالات

شارك برأيك

مأزق ترامب في الخليج: حرب بلا مخرج ومفاوضات متعثرة تحت وطأة النفط

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.