د. محمد أبو الرب: العجز المالي وإضراب القطاع الصحي انعكس مباشرة على حياة المرضى وهناك جهود تبذل لتأمين دفعات دعم عاجلة
د. يوسف التكروري: استمرار الوضع الحالي سيقود لانهيار أوسع للقطاع الصحي الحكومي والأهلي والخاص حتى مع وجود حلول مؤقتة
د. أحمد عليان: النقابة خاطبت اتحاد الصيادلة العرب لشرح حجم الأزمة وطلب المساندة سيّما الأدوية المخصصة لمرضى السرطان وغسيل الكلى
د. مهند حبش: القطاع الدوائي يواجه تحديات غير مسبوقة تهدد قدرته على الاستمرار بتوفير الأدوية والعلاجات حتى وإن كانت هناك حلول مؤقتة
د. مؤيد عفانة: الحلول الفنية والمؤقتة لم تعد كافية بسبب عمق الأزمة وطول أمدها ومحدودية الموارد المالية تحدّ من معالجة فجوة المديونية المتفاقمة
د. ثابت أبو الروس: مديونية "الصحة" لشركات الأدوية والموردين تصل إلى نحو مليار و300 مليون شيكل ما حدّ من قدرتهم على تحمل المزيد من الأعباء
فراس جابر: الصحة لم تحظَ بالمكانة التي تستحقها ضمن أولويات الإنفاق الحكومي أو ترتيبها بالموازنة العامة وبقيت بمراتب متأخرة مقارنة بقطاعات أخرى
رام الله - خاص بـ "القدس"- تواجه المنظومة الصحية الفلسطينية أزمة متفاقمة مع اتساع نطاق النقص في الأدوية والمستلزمات الطبية، رغم إعلان وزارتي الصحة والمالية عن استكمال ترتيبات عاجلة لضمان توريد أدوية ومستلزمات طبية، في وقت تتزايد فيه التحذيرات من تداعيات ذلك النقص على قدرة المستشفيات والمؤسسات الصحية على مواصلة تقديم خدماتها للمرضى.
ويشير مسؤولون ومختصون وخبراء اقتصاديون في أحاديث منفصلة مع "القدس" إلى أن المستشفيات ومرافق الرعاية الصحية تشهد ضغوطاً مالية وتشغيلية غير مسبوقة نتيجة تراكم المستحقات المالية وتراجع القدرة على شراء الأدوية والمستهلكات الطبية، الأمر الذي أدى إلى تقليص بعض الخدمات العلاجية وتأخير توفير أخرى، وسط مؤشرات على تراجع المخزون الدوائي من أصناف أساسية وحيوية تحتاجها مختلف الأقسام الطبية.
ويرون أن الأزمة الحالية تتجاوز كونها مشكلة تمويلية مؤقتة، إذ ترتبط بتراكم أعباء مالية ممتدة منذ سنوات، تفاقمت مع استمرار احتجاز أموال المقاصة وتراجع الموارد المتاحة للقطاع الصحي.
وفي ظل محدودية البدائل، تتعالى الدعوات إلى تدخل عاجل لتوفير السيولة اللازمة وضمان استمرارية التوريد الدوائي وحماية القطاع الصحي من مزيد من التدهور.
أحد أخطر التحديات المالية
يؤكد مدير مركز الاتصال الحكومي، د. محمد أبو الرب، أن أزمة احتجاز أموال المقاصة تمثل أحد أخطر التحديات المالية التي تواجه الحكومة، موضحاً أنها تشكل نحو 68% من إجمالي إيرادات وزارة المالية، مشيراً إلى أن استمرار احتجازها، وكذلك الإغلاقات الإسرائيلية، ومنع العمال الوصول إلى أعمالهم، انعكس بشكل مباشر على تراجع الأداء الاقتصادي بنسبة تصل إلى 30% من الناتج المحلي الإجمالي.
ويوضح أن هذا الوضع المالي الحرج أدى إلى تقلص قدرة الحكومة على الحركة إلى ما يقارب 10% فقط من إيراداتها الفعلية أو المحتملة، نتيجة استمرار سياسة الاحتجاز الكامل لأموال المقاصة، الأمر الذي وضع مختلف القطاعات الحيوية أمام ضغوط مالية غير مسبوقة.
ويشير أبو الرب إلى أن القطاع الصحي يعد من أكثر القطاعات تأثراً بهذه الأزمة، حيث تنفق الحكومة سنوياً ما يقارب 700 مليون شيكل على الأدوية والمستهلكات الطبية، إضافة إلى نحو مليار شيكل مخصصة للتحويلات الطبية إلى المستشفيات الأهلية والقطاع الخاص داخل فلسطين.
وبحسب أبو الرب، فإن وزارة الصحة تتحمل أيضاً، رواتب ومصاريف تشغيلية تُقدّر بنحو 970 مليون شيكل، ما يجعل مجموع الإنفاق الصحي السنوي قريباً من حجم الإيرادات المحلية في الوقت الحالي، وهو ما يوضح عمق الأزمة المالية الخانقة.
ويبيّن أبو الرب أن هذا العجز المالي وإضراب القطاع الصحي انعكس مباشرة على حياة المرضى، من خلال نقص الأدوية وتعطل الخدمات، إضافة إلى الإضرابات المتقطعة للنقابات الطبية خلال الفترة الماضية، ما أدى إلى تأجيل آلاف العمليات الجراحية، بما فيها حالات حرجة، وتحويل العديد من الحالات التي كان يمكن علاجها في المستشفيات الحكومية إلى القطاع الخاص، الأمر الذي ضاعف من كلفة التحويلات الطبية.
الحكومة تبذل جهوداً متواصلة
ويؤكد أبو الرب أن الحكومة تبذل جهوداً متواصلة، بالتعاون مع شركاء دوليين، لتأمين دفعات عاجلة لدعم القطاع الصحي، إلى جانب اجتماع اليوم الثلاثاء، لوزير المالية مع موردي ومزودي الأدوية للتوصل إلى تفاهمات تضمن توفير إمدادات طبية عاجلة.
ويشير أبو الرب إلى أن الحكومة ستعقد مؤتمراً صحفياً اليوم الثلاثاء، مع السلك الدبلوماسي ووسائل الإعلام الأجنبية، بهدف تسليط الضوء على تداعيات أزمة المقاصة، والضغط باتجاه الإفراج عن الأموال المحتجزة، وتحميل المجتمع الدولي مسؤولياته تجاه ما يترتب على استمرار الأزمة من انعكاسات خطيرة تطال قطاعات الصحة والتعليم والخدمات الاجتماعية.
القطاع الصحي بمرحلة خطيرة
يحذّر رئيس اتحاد المستشفيات الفلسطينية الأهلية والخاصة د.يوسف التكروري من أن القطاع الصحي الفلسطيني يمر بمرحلة هي الأخطر منذ سنوات، في ظل أزمة مالية متفاقمة أدت إلى نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية وتعطل بعض الخدمات الحيوية، مؤكداً أن الأزمة لم تعد تقتصر على توفير الأدوية فحسب، بل باتت تهدد استمرارية عمل المستشفيات وقدرتها على تقديم الرعاية الصحية للمرضى.
ويوضح التكروري أن جذور الأزمة تعود إلى سنوات سابقة، وتحديداً منذ جائحة كورونا عام 2020، حين واصلت المستشفيات تقديم خدماتها رغم الظروف الاستثنائية وعدم انتظام الدفعات المالية المستحقة لها.
أزمة المستشفيات
ويشير التكروري إلى أن المستشفيات تعافت تدريجياً من تداعيات الجائحة، لكنها واجهت أزمة أشد تعقيداً بعد السابع من أكتوبر 2023، مع استمرار التراجع في الإيرادات الحكومية وعدم توفر السيولة اللازمة لتسديد الالتزامات المالية تجاه القطاع الصحي.
ويلفت التكروري إلى أن المستشفيات الأهلية والخاصة استجابت خلال السنوات الماضية لرؤية وزارة الصحة الرامية إلى توطين الخدمات الطبية داخل فلسطين، من خلال استقطاب الكفاءات الطبية وإنشاء أقسام جديدة وشراء أجهزة متطورة لتقليل الحاجة إلى العلاج خارج الوطن، إلا أن استمرار احتجاز أموال المقاصة وتراجع الدعم الدولي والعربي أدى إلى نقص حاد في الموارد المالية الحكومية، ما انعكس مباشرة على قدرة الحكومة في تسديد مستحقات المستشفيات.
مديونية كبيرة
ويبيّن التكروري أن حجم المديونية المستحقة للمستشفيات الأهلية والخاصة تجاوز 2.7 مليار شيكل، وهو رقم خطير، مشيراً إلى أن العديد من المستشفيات باتت عاجزة عن دفع رواتب العاملين لديها، مع تراكم مستحقات الموظفين لفترات تتراوح بين 12 و18 شهراً.
كما واجهت المستشفيات بحسب التكروري، أزمات متلاحقة تمثلت في ارتداد الشيكات نتيجة نقص السيولة، واللجوء المكثف إلى الاقتراض من البنوك حتى بلوغ الحدود القصوى المسموح بها، فيما أصبحت المصارف ترفض منح قروض إضافية للقطاع.
تقليص استقبال المرضى المحولين
ويؤكد التكروري أن بعض المستشفيات اضطرت خلال الفترة الماضية، إلى وقف أو تقليص استقبال المرضى المحولين من وزارة الصحة، موضحاً أن هذا القرار لم يكن إجراءً احتجاجياً، وإنما نتيجة مباشرة لغياب الإمكانات اللازمة للاستمرار.
ويشير التكروري إلى أن المرضى المحولين من وزارة الصحة يمثلون النسبة الأكبر من الحالات التي تتطلب علاجات متقدمة ومكلفة، مثل علاج الأورام، وزراعة وتركيب بطاريات ومنظمات القلب، والقسطرة القلبية والدماغية، والعلاجات الإشعاعية والنووية، وهي خدمات تعتمد بشكل شبه كامل على التحويلات الطبية الحكومية.
نفاد الأدوية والمستهلكات بالمستشفيات
ويلفت التكروري إلى أن النقص لم يعد مقتصراً على التمويل، بل امتد إلى الأدوية والمستهلكات الطبية وقطع الغيار اللازمة لصيانة الأجهزة. ويؤكد تكروري أن نفاد بعض أدوية الأورام من عدد من المستشفيات دفع مؤسسات صحية إلى الاكتفاء باستكمال علاج المرضى الحاليين وعدم استقبال حالات جديدة.
كما تعاني مستشفيات أخرى وفق التكروري، من نقص مستلزمات القسطرة وبطاريات القلب، فيما تعطلت أجهزة طبية رئيسية بسبب عدم القدرة على شراء قطع الغيار أو إجراء الصيانة اللازمة.
ويؤكد التكروري أن المستشفيات استنفدت جميع الخيارات المتاحة لمواجهة الأزمة، بدءاً من نفاد مخزون الأدوية والمستلزمات، مروراً بالشراء عبر شيكات مؤجلة والاقتراض من البنوك، وصولاً إلى السقوف العليا، والعمل بأقل الإمكانات المتوفرة، إلا أن هذه الحلول لم تعد كافية مع استمرار الأزمة وتفاقمها.
مؤشرات انهيار المنظومة الصحية
ويحذر التكروري من أن مؤشرات انهيار المنظومة الصحية بدأت تظهر بالفعل مع خروج بعض المستشفيات من الخدمة أو تقليص أعمالها، مؤكداً أن استمرار الوضع الحالي سيقود إلى انهيار أوسع للقطاع الصحي الحكومي والأهلي والخاص معاً، حتى مع وجود حلول مؤقتة، لأن حجم الأزمة أعمق.
ويشدد التكروري على أن الحل الوحيد المتاح يتمثل في توفير موارد مالية عاجلة، سواء عبر الإفراج عن أموال المقاصة أو من خلال دعم خارجي طارئ، إلى جانب معالجة أزمة موردي الأدوية الذين يواجهون بدورهم مديونية تتجاوز 1.3 مليار شيكل، ما أدى إلى تعثر سلسلة التوريد الدوائي بأكملها.
فقدان مقومات الصمود
ويؤكد التكروري أن المستشفيات لا تزال تبذل ما بوسعها لخدمة المرضى، لكنها وصلت إلى مرحلة لم تعد فيها مقومات الصمود متوفرة، مقدماً اعتذاره للمواطنين عن أي خدمات توقفت قسراً نتيجة الظروف المالية الخانقة التي يمر بها القطاع الخاص.
ويشدد التكروري على أن المستشفيات الأهلية والخاصة هي مؤسسات وطنية وملتزمة برسالتها الإنسانية، ولكن ما يتخذ من قرارات ليس خياراً، وإنما جاء بعد استنفاد كافة الحلول.
تداخل الأزمات
يوضح نائب نقيب الصيادلة والقائم بأعمال نقيب الصيادلة في فلسطين د. أحمد عليان أن الأزمة الدوائية الحالية تتداخل مع تداعيات الإضرابات الجزئية القائمة في القطاع الصحي، والتي تشمل أيام دوام محددة للأطباء والصيادلة، ما أثر على سهولة حصول المواطنين على الخدمات الصحية والأدوية، خاصة أن شريحة واسعة من المواطنين تعتمد على التأمين الصحي الحكومي لتلقي العلاج، ما يفاقم معاناة المرضى في ظل الأزمة المالية التي تواجه السلطة الفلسطينية.
نقص متواصل للأدوية بمستودعات وزارة الصحة
ويشير عليان إلى أن المشكلة الأكثر إلحاحاً تتمثل في النقص المتواصل للأدوية داخل مستودعات وزارة الصحة نتيجة عدم قدرة الوزارة على تسديد التزاماتها المالية للموردين والمصانع الدوائية، مؤكداً أن المواطنين باتوا يواجهون صعوبة متزايدة في العثور على أدويتهم، فيما يضطر بعضهم للبحث عنها في الصيدليات الخاصة، وهو خيار لا يتوفر لغالبية المرضى بسبب الأوضاع الاقتصادية الصعبة.
ويبيّن عليان أن الفئات الأكثر تضرراً من الأزمة هي المرضى الذين يعتمدون على الأدوية البيولوجية المستخدمة في علاج أمراض السرطان والأمراض المناعية والجلدية المزمنة، لافتاً إلى أن أسعار هذه الأدوية مرتفعة للغاية، إذ يصل ثمن بعضها إلى آلاف الشواكل للجرعة الواحدة، ما يحد قدرتهم على شرائها من الصيدليات الخاصة، خصوصاً في ظل الأزمة الاقتصادية وتأخر صرف الرواتب، ما يهدد استمرارية علاجهم.
نقص أدوية غسيل الكلى
ويلفت عليان إلى وجود نقص في بعض الأدوية المرتبطة بمرضى غسيل الكلى، مشيراً إلى أن الصيدليات الخاصة تتلقى استفسارات متكررة حول هذه الأدوية، إلا أن أسعارها المرتفعة تحول دون قدرة معظم المرضى على شرائها.
ويؤكد عليان أن حل الأزمة يتطلب معالجة جذورها المالية من خلال البدء بتسديد مستحقات الموردين والمصانع الدوائية المحلية والشركات المستوردة، موضحاً أن العديد من الموردين باتوا يواجهون ضائقة مالية حادة نتيجة تراكم الديون المستحقة لهم على وزارة الصحة، الأمر الذي انعكس على قدرتهم على الاستمرار في التوريد.
أهمية الوفاء بالالتزامات
ويشير عليان إلى أن نقابة الصيادلة، بالتعاون مع الموردين واتحاد الصناعات، أصدرت بيانات مشتركة دعت الحكومة إلى الوفاء بالتزاماتها المالية للحفاظ على استمرارية القطاع الدوائي ومنع انهيار المصانع والمستودعات التي تشكل ركناً أساسياً في توفير الأدوية للسوق الفلسطينية.
وفي ما يتعلق بأوضاع الصيادلة العاملين في القطاع الحكومي، يوضح عليان أن النقابة تدعم مطالبهم بالحصول على رواتب كاملة تضمن حياة كريمة، مشيراً إلى أن نحو 330 صيدلانياً يعملون في وزارة الصحة ويواجهون أعباء معيشية متزايدة.
ويؤكد عليان أن نقابة الصيادلة خاطبت اتحاد الصيادلة العرب لشرح حجم الأزمة وطلب المساندة الممكنة، خاصة في ما يتعلق بالأدوية المخصصة لمرضى السرطان وغسيل الكلى.
ويوضح عليان أن الأزمة ما زالت قائمة دون مؤشرات واضحة على قرب حلها، حتى وإن كانت هناك حلول مؤقتة أو جزئية، داعياً إلى تضافر الجهود الحكومية والمجتمعية والقطاع الخاص لتفادي مزيد من التدهور وضمان استمرار وصول الأدوية والعلاجات للمرضى.
تحديات وجودية غير مسبوقة
يحذّر المدير التنفيذي لاتحاد موردي الأدوية الفلسطيني د.مهند حبش من تفاقم أزمة الأدوية في فلسطين نتيجة استمرار تراكم الديون والمستحقات المالية المترتبة على وزارتي الصحة والمالية لصالح شركات ومصانع ومستودعات الأدوية، مؤكداً أن القطاع الدوائي يواجه تحديات وجودية غير مسبوقة تهدد قدرته على الاستمرار في توفير الأدوية والعلاجات للسوقين الحكومي والخاص، حتى وإن كانت هناك حلول مؤقتة.
ويوضح حبش أن الأزمة لم تعد تقتصر على تأخر تسديد المستحقات المالية، بل تحولت إلى أزمة بنيوية عميقة طالت مختلف حلقات المنظومة الصحية الدوائية، مشيراً إلى أن الشركات واصلت خلال السنوات الماضية تزويد وزارة الصحة والخدمات الطبية العسكرية بالأدوية والمستلزمات الطبية رغم عدم حصولها على مستحقاتها، ما أدى إلى تراكم المديونية ووصول القطاع الصحي إلى مرحلة باتت فيها الشركات عاجزة عن مواصلة الاستيراد والتصنيع والتوريد.
غياب المعالجة الجدية فاقم الأزمة
ويبيّن حبش أن الأزمة المالية بين الحكومة وموردي الأدوية ليست جديدة، إلا أن غياب المعالجة الجدية وتراكم الديون أوصلا القطاع الصحي إلى مرحلة حرجة، لافتاً إلى أن اعتماد أولويات إنفاق مختلفة وعدم تخصيص دفعات شهرية منتظمة لقطاع الدواء أسهما بشكل مباشر في تفاقم المشكلة.
ويشير إلى أن الاتفاق الذي تم عام 2023، لتسديد نحو 30 مليون شيكل شهرياً ساعد في تثبيت حجم الدين لفترة محدودة، قبل أن تتراجع الدفعات وتصبح غير منتظمة وتنخفض إلى نحو 15 مليون شيكل شهرياً دون التزام واضح، ما أدى إلى اتساع فجوة المديونية وتفاقم النقص في الأدوية الأساسية.
احتجاز أموال المقاصة وغياب التخطيط المالي
ويلفت حبش إلى أن احتجاز أموال المقاصة من قبل إسرائيل يعد أحد الأسباب الرئيسية للأزمة، إلا أن غياب التخطيط المالي المسبق وعدم رصد مخصصات حقيقية لتغطية العطاءات الدوائية السنوية فاقما الوضع القائم.
وفي ما يتعلق بحجم النقص، يؤكد حبش أن الأزمة طالت معظم أصناف الأدوية والمستهلكات الطبية، موضحاً أن بيانات وزارة الصحة تشير إلى نفاد مخزون عشرات الأصناف الحيوية، من بينها 50 صنفاً من أدوية الأورام، و79 صنفاً من المواد المخبرية، و250 صنفاً من المستلزمات الطبية التخصصية المستخدمة في العمليات الجراحية وغسيل الكلى، كما أن 180 صنفاً من أصل 520 صنفاً ضمن قائمة الأدوية الأساسية أصبحت أرصدتها صفرية.
عدم قدرة الشركات على تعويض النقص
ويؤكد حبش أن الخطورة الحالية لا تكمن فقط في نفاد المخزون، بل في عدم قدرة الشركات على تعويض النقص عبر الاستيراد أو التصنيع بسبب الأزمة المالية، ما يهدد الأمن الدوائي الفلسطيني ويعرض حياة آلاف المرضى للخطر في ظل محدودية البدائل المتاحة.
ويشدد حبش على أن الحل الوحيد يتمثل في توفير سيولة مالية عاجلة وسداد جزء من المستحقات المتراكمة لتمكين الشركات من استئناف عمليات الشراء والاستيراد، ورغم إعلان وزارتي الصحة والمالية عن توفير دفعة مالية، لكن الأزمة أعمق من ذلك.
مؤتمر وطني لمناقشة الأزمة
ويدعو حبش إلى عقد مؤتمر وطني يضم جميع الجهات ذات العلاقة لمناقشة الأزمة ووضع حلول عملية تضمن استدامة القطاع الصحي والدوائي، مؤكداً أن الحفاظ على توفر الدواء مسؤولية وطنية مشتركة تتطلب تدخلاً حكومياً عاجلاً لضمان استمرار وصول العلاج إلى المرضى ومنع انهيار أحد أهم القطاعات الحيوية في الحياة الفلسطينية.
أزمة المقاصة وتعميق الأزمة
يؤكد الخبير الاقتصادي د.مؤيد عفانة أن استمرار إسرائيل في احتجاز أموال المقاصة ألقى بظلاله الثقيلة على قدرة الحكومة الفلسطينية على الوفاء بالتزاماتها المالية، وفي مقدمتها تسديد مستحقات موردي الأدوية والمستلزمات الطبية ومقدمي الخدمات الصحية، الأمر الذي ساهم في تعميق الأزمة التي يواجهها القطاع الصحي الفلسطيني ووصولها إلى مستويات غير مسبوقة.
ويوضح أن احتجاز إيرادات المقاصة أدى إلى تراجع حاد في الموارد المالية المتاحة للحكومة، بعدما فقدت الخزينة العامة نحو 68% من إيراداتها، نتيجة تراكم الأموال المحتجزة لدى إسرائيل والتي بلغت نحو 5.7 مليارات دولار.
ويشير عفانة إلى أن هذا الواقع أوجد أزمة مالية بنيوية عميقة انعكست على مختلف القطاعات، وفي مقدمتها القطاع الصحي الذي يعد أحد أكبر المتضررين من أزمة السيولة.
تراكم المتأخرات الحكومية
ويبيّن عفانة أن تراكم المتأخرات الحكومية وصل إلى مستويات حرجة بلغت نحو 1.3 مليار دولار، يشكل القطاع الصحي جزءاً رئيسياً منها، لافتاً إلى أن أكثر من 430 مليون دولار، أي ما يعادل نحو 1.3 مليار شيكل، مستحقة لصالح موردي الأدوية والمستهلكات الطبية، الأمر الذي أضعف قدرة الحكومة على شراء الأدوية وتأمين الاحتياجات الطبية الأساسية للمواطنين.
ويؤكد عفانة أن المديونية المتراكمة لوزارة الصحة تركت آثاراً مباشرة على العلاقة مع شركات الأدوية والموردين ومقدمي الخدمات الصحية، سواء داخل فلسطين أو خارجها، حيث تواجه هذه الجهات ضغوطاً مالية متزايدة نتيجة تأخر سداد مستحقاتها، ما ينعكس على قدرتها على الاستمرار في التوريد وتقديم الخدمات الصحية المطلوبة.
كما يؤثر ارتفاع حجم الديون وفق عفانة، على قدرة الشركات على تغطية نفقاتها التشغيلية ودفع رواتب العاملين لديها، وهو ما يهدد استمرارية الخدمات والإمدادات الطبية.
الحلول الفنية والمؤقتة لم تعد كافية
وفي ما يتعلق بمخارج الأزمة، يشدد عفانة على أن الحلول الفنية والمؤقتة لم تعد كافية في ظل عمق الأزمة وطول أمدها، مؤكداً أن محدودية الموارد المالية المتاحة لوزارة المالية بسبب الحصار المالي الإسرائيلي تجعل من الصعب معالجة فجوة المديونية المتفاقمة.
ويدعو عفانة إلى تحرك دولي عاجل يشمل المجتمع الدولي والدول الشقيقة والصديقة والمؤسسات الصحية الدولية لتوفير دعم مالي طارئ يضمن سداد مستحقات شركات الأدوية ومزودي الخدمات الصحية، بما يسهم في حماية القطاع الصحي من الانهيار وضمان استمرار تقديم الخدمات العلاجية، خاصة للفئات الفقيرة والمهمشة التي تعتمد بشكل أساسي على خدمات القطاع الصحي الحكومي.
47 مليار شيكل مديونية السلطة
يحذر الخبير والمحلل الاقتصادي د. ثابت أبو الروس من تفاقم أزمة الأدوية في فلسطين نتيجة استمرار احتجاز أموال المقاصة وتراكم المديونية العامة، مؤكداً أن القطاع الصحي بات يواجه تحديات غير مسبوقة قد تنعكس على قدرة وزارة الصحة في توفير الأدوية وسداد التزاماتها تجاه الموردين وشركات التوريد.
ويوضح أبو الروس أن مديونية السلطة الفلسطينية لجميع القطاعات تجاوزت 47 مليار شيكل، في حين تتراوح قيمة أموال المقاصة المحتجزة، وفق التصريحات الفلسطينية، نحو 15 مليار شيكل، ما يحرم الخزينة العامة من مصدر مالي رئيسي كانت تعتمد عليه للوفاء بالتزاماتها التشغيلية والخدمية.
ويشير إلى أن موازنة عام 2026 وُصفت رسمياً بـ"الموازنة الوجودية"، في ظل عمل الحكومة بإمكانات مالية محدودة للغاية لا تتجاوز نحو 10% من احتياجاتها الفعلية، مبيناً أن قطاع الصحة وشراء الأدوية حظيا بأولوية ضمن هذه الموازنة، إلا أن الأزمة المالية الخانقة حدّت من قدرة الحكومة على تنفيذ التزاماتها.
ويبيّن أبو الروس أن مديونية وزارة الصحة لصالح شركات الأدوية والموردين تصل نحو مليار و300 مليون شيكل، لافتاً إلى أن الشركات المزودة للأدوية، باعتبارها جزءاً من القطاع الخاص، لم تعد قادرة على تحمل المزيد من الأعباء المالية أو الاستمرار في تمويل توريد الأدوية بالوتيرة السابقة.
مستحقات بمئات ملايين الدولارات
ويؤكد أبو الروس أن جزءاً كبيراً من شركات التوريد اعتمد خلال السنوات الماضية على الاقتراض من القطاع المصرفي لتلبية العطاءات الحكومية وتوفير الأدوية والمستلزمات الطبية، إلا أن قدرتها على الاستدانة وصلت إلى حدودها القصوى، ما يهدد استمرار عمليات التوريد ويضع المنظومة الصحية أمام أزمة حقيقية.
ويوضح أبو الروس أن المديونية أصبحت العامل الأكثر تأثيراً في العلاقة بين وزارة الصحة والقطاع الخاص، مشيراً إلى أن بعض الشركات تتحدث عن مستحقات تصل إلى مئات ملايين الدولارات، الأمر الذي ينعكس على تدفقاتها النقدية وقدرتها على الاستمرار رغم تسجيلها أرباحاً محاسبية.
ويلفت أبو الروس إلى أن الخطر لا يقتصر على المستشفيات أو المؤسسات الصحية فقط، بل يمتد إلى الشركات المنتجة والمستوردة للأدوية، خاصة في ظل ارتفاع أسعار بعض العلاجات وزيادة الطلب على الأدوية نتيجة النمو السكاني وانتشار الأمراض والفيروسات.
مساعدات عينية على شكل أدوية
ويرى أبو الروس أن معالجة الأزمة تتطلب تحركاً سياسياً ومالياً متزامناً، يبدأ بالضغط لاستئناف الدعم الأوروبي والدولي للموازنة الفلسطينية، وتسريع الجهود الدبلوماسية الرامية إلى حل أزمة المقاصة، مؤكداً أن القطاع الخاص لم يعد قادراً على تحمل أعباء إضافية.
ويقترح أبو الروس التوجه إلى الدول الأوروبية والعربية ودول الخليج والصين للحصول على مساعدات مباشرة على شكل أدوية ومستلزمات طبية، بما يخفف العبء المالي عن وزارة الصحة ويضمن استمرارية الخدمات الصحية، معتبراً أن هذا الخيار قد يشكل أحد المسارات العملية للتعامل مع الأزمة في ظل استمرار الضغوط المالية والسياسية الراهنة.
أموال المقاصة والسياسات التنموية
يرى المؤسس والباحث المتخصص في القضايا الاجتماعية والتنموية بمرصد السياسات الاجتماعية والاقتصادية (المرصد)، فراس جابر، أن أزمة الأدوية في فلسطين تعود إلى عاملين رئيسيين يتمثلان في: استمرار احتجاز أموال المقاصة من قبل الاحتلال الإسرائيلي، إلى جانب السياسات المالية والتنموية التي اتبعتها الحكومات الفلسطينية تجاه القطاع الصحي خلال السنوات الماضية.
ويوضح جابر أن احتجاز أموال المقاصة أدى إلى تفاقم الأزمة المالية التي تعاني منها السلطة الفلسطينية، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على قدرة وزارة الصحة على الوفاء بالتزاماتها تجاه موردي الأدوية والشركات المزودة للقطاع الصحي.
ويشير جابر إلى أن تراكم الديون المستحقة على وزارة الصحة، والتي تجاوزت أكثر من مليار شيكل، دفع عدداً من الموردين إلى الامتناع عن تزويد مخازن وزارة الصحة بالأدوية، ما ساهم في اتساع فجوات النقص الدوائي وارتفاع حدة الأزمة.
ويوضح جابر أن العامل الثاني يرتبط بسياسات السلطة الفلسطينية الخاطئة تجاه القطاع الصحي، سواء على المستوى التنموي أو المالي، موضحاً أن الحكومات المتعاقبة لم تعمل بصورة كافية على توطين الخدمات الصحية أو تشجيع إنتاج الأدوية محلياً بالقدر الممكن، الأمر الذي أبقى القطاع معتمداً بشكل كبير على الاستيراد والتمويل الخارجي.
الصحة لم تحظ بالمكانة التي تستحقها
ويؤكد جابر أن الصحة لم تحظ بالمكانة التي تستحقها ضمن أولويات الإنفاق الحكومي، أو ترتيبها بالموازنة العامة، إذ بقيت في مراتب متأخرة مقارنة بقطاعات أخرى، رغم أن احتياجات العلاج والدواء لا يمكن تأجيلها أو التعامل معها باعتبارها نفقات قابلة للتأخير.
ويرى جابر أن تخصيص موارد أكبر للقطاع الصحي كان من شأنه التخفيف من آثار الأزمة حتى في ظل ظروف التقشف والطوارئ.
ويشير جابر إلى أن قدرة السلطة الفلسطينية على الاستدانة وصلت إلى حدودها القصوى، سواء عبر الاقتراض من البنوك أو صندوق التقاعد أو من خلال تحميل الموردين أعباء الديون المتراكمة، معتبراً أن جزءاً من الحل يرتبط بالتحرك السياسي والدبلوماسي لاستعادة أموال المقاصة باعتبارها حقاً للشعب الفلسطيني.
غياب الضغط للإفراج عن أموال المقاصة
ويؤكد جابر أن غياب حملة دولية منظمة للضغط على الاحتلال من أجل الإفراج عن أموال المقاصة أحد أسباب استمرار الأزمة، معتبراً أن هناك تقصيراً حكومياً واضحاً في هذا الملف.
ويشير جابر إلى استمرار بعض أوجه الإنفاق غير الأساسية في وقت يواجه فيه القطاع الصحي أزمة حادة، الأمر الذي يعكس خللاً في ترتيب الأولويات الحكومية.
ويؤكد جابر على غياب برنامج حكومي واضح لاستقطاب دعم عربي مالي أو عيني لقطاع الأدوية، معتبراً أن الأداء الرسمي ما زال أقرب إلى إدارة الأعمال اليومية منه إلى تنفيذ خطة جادة لمعالجة الأزمات المتراكمة، وفي مقدمتها أزمة الدواء والقطاع الصحي الفلسطيني.
فلسطين
الثّلاثاء 09 يونيو 2026 10:44 صباحًا - بتوقيت القدس





شارك برأيك
أزمة الدواء.. الضائقة المالية تهدد المنظومة الصحية والخدمات العلاجية