أحدث الأخبار

الإثنين 08 يونيو 2026 5:28 مساءً - بتوقيت القدس

تهديدات الحوثيين في البحر الأحمر: مقامرة جيوسياسية تضع سوق الطاقة العالمي على المحك

أعلنت جماعة الحوثي في اليمن عن قرارها بمنع كافة السفن المرتبطة بإسرائيل من الملاحة في البحر الأحمر، في خطوة تصعيدية تأتي رداً على الهجمات العسكرية الإسرائيلية الأخيرة ضد إيران. وأكدت الجماعة أن هذا التحرك يهدف إلى الضغط لوقف العدوان، محذرة من أن استمرار التوتر الإقليمي سيؤدي إلى توسيع دائرة الاستهداف لتشمل أي سفن تتعامل مع الموانئ الإسرائيلية بغض النظر عن جنسيتها.

تأتي هذه التهديدات في وقت حساس للغاية بالنسبة لأسواق الطاقة العالمية، خاصة بعد تعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز الذي يعد الشريان الرئيسي لصادرات النفط الخليجية. وقد أدى إغلاق المضيق في فبراير الماضي إلى قفزة حادة في الأسعار وصدمة في الإمدادات، مما جعل الممرات المائية البديلة تحت مجهر الرقابة الدولية المشددة.

لجأت المملكة العربية السعودية إلى استراتيجية بديلة لمواجهة إغلاق مضيق هرمز، حيث قامت بتحويل ما يزيد عن 70% من صادراتها اليومية من النفط الخام نحو ميناء ينبع المطل على البحر الأحمر. وتعتبر هذه الخطوة صمام أمان حالي للحفاظ على استقرار الأسعار العالمية، إلا أن تهديدات الحوثيين الأخيرة تضع هذا المسار البديل في دائرة الخطر المباشر.

أفادت مصادر بأن أي تعطيل مستمر لحركة الملاحة في البحر الأحمر، سواء عبر الهجمات الصاروخية أو الطائرات المسيرة، سيؤدي إلى أزمة إمدادات غير مسبوقة. ويرى مراقبون أن استهداف الموانئ أو السفن في هذا الممر الحيوي سيجبر شركات التأمين البحري على رفع رسومها بشكل جنوني، مما ينعكس مباشرة على تكلفة السلع والوقود عالمياً.

تاريخياً، نشأت جماعة الحوثي كحركة عسكرية وسياسية في شمال اليمن خلال التسعينيات، وخاضت جولات صراع طويلة مع الحكومة المركزية في صنعاء. ومع اندلاع أحداث الربيع العربي، تمكنت الجماعة من السيطرة على العاصمة في عام 2014، مما أدى إلى تدخل تحالف عسكري بقيادة السعودية لإعادة الحكومة الشرعية وإيقاف التمدد الحوثي.

تثير العلاقة بين الحوثيين وإيران تساؤلات مستمرة حول مدى استقلالية قرار الجماعة، حيث تصنفهم واشنطن كجزء من 'محور المقاومة' الذي تدعمه طهران. ورغم الدعم العسكري والمالي الإيراني الواضح، إلا أن الحوثيين يصرون على أن قراراتهم تنبع من دوافع وطنية يمنية وأيديولوجية خاصة، ولا يعتبرون أنفسهم وكلاء مباشرين لتنفيذ أجندات خارجية.

خلال المواجهات السابقة المرتبطة بالحرب على غزة، أثبت الحوثيون قدرتهم على إرباك الشحن الدولي عبر استهداف سفن تجارية محددة. هذه الهجمات دفعت عمالقة الشحن مثل 'ميرسك' و'هاباج-لويد' إلى اتخاذ قرارات صعبة بتغيير مسار سفنهم نحو طريق رأس الرجاء الصالح حول أفريقيا، وهو مسار يضيف آلاف الأميال وتكاليف باهظة للرحلات.

استجابت الولايات المتحدة وحلفاؤها لهذه التهديدات عبر تشكيل تحالف عسكري دولي لحماية حرية الملاحة، ونفذت غارات جوية متكررة استهدفت منصات إطلاق الصواريخ ومخازن المسيرات التابعة للحوثيين. ورغم هذه الإجراءات الدفاعية التي أسفرت عن إسقاط مئات المقذوفات، إلا أن الجماعة لا تزال تحتفظ بقدرات عسكرية تمكنها من شن هجمات مباغتة.

يشير القادة العسكريون في إيران إلى أن الحوثيين يمثلون ورقة ضغط استراتيجية في الصراع الإقليمي، حيث صرح قادة في الحرس الثوري بقدرة الجماعة على إغلاق البحر الأحمر تماماً. هذا النوع من التصريحات يعزز المخاوف الدولية من تحول اليمن إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية كبرى تؤثر على الاقتصاد العالمي برمته.

لوحظ خلال الفترات الماضية أن الحوثيين التزموا بهدوء نسبي في بعض مراحل الصراع المباشر بين إيران وإسرائيل، وهو ما عزاه محللون إلى رغبة الجماعة في تجنب إثارة غضب الجارة السعودية. فالحفاظ على الهدنة الهشة داخل اليمن يمثل أولوية للحوثيين لتجنب العودة إلى حرب أهلية شاملة قد تستنزف قواهم التي يوجهونها الآن نحو البحر.

إن التهديد الحوثي لا يقتصر فقط على الجانب العسكري، بل يمتد ليشمل الحرب النفسية التي تؤثر على قرارات كبرى شركات الملاحة العالمية. فبمجرد صدور بيان من الجماعة، تبدأ الأسواق في تسعير المخاطر، مما يؤدي إلى تذبذب في أسعار العقود الآجلة للنفط والغاز، وهو ما يخدم أهداف الجماعة في لفت الأنظار لقضيتها.

تؤكد مصادر مطلعة أن الحوثيين يطورون ترسانتهم العسكرية محلياً بمساعدة تقنية خارجية، مما جعل صواريخهم الباليستية ومسيراتهم الانتحارية أكثر دقة وفتكاً. هذه التطورات التقنية جعلت من الصعب على الأنظمة الدفاعية التقليدية توفير حماية كاملة للسفن التجارية العابرة لمضيق باب المندب، مما يزيد من تعقيد المشهد الأمني.

في حال تنفيذ التهديدات الأخيرة، فإن العالم قد يواجه سيناريو 'خنق الممرات'، حيث يتعطل مضيق هرمز وباب المندب في آن واحد، وهو كابوس اقتصادي تسعى القوى الكبرى لتفاديه بكل السبل الدبلوماسية والعسكرية. وتظل الأنظار معلقة على مدى جدية الجماعة في تنفيذ وعيدها ومدى قدرة المجتمع الدولي على احتواء الموقف.

ختاماً، يبقى البحر الأحمر ساحة مفتوحة على كافة الاحتمالات، حيث تتداخل فيه ملفات الحرب في غزة، والصراع الإيراني الإسرائيلي، وأمن الطاقة العالمي. وبينما يصر الحوثيون على ربط أمن الملاحة بوقف العدوان، يجد العالم نفسه رهينة لممر مائي ضيق يتحكم في مصير التجارة الدولية واقتصاديات الدول الكبرى.

دلالات

شارك برأيك

تهديدات الحوثيين في البحر الأحمر: مقامرة جيوسياسية تضع سوق الطاقة العالمي على المحك

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.