لم تعد الوحدة في العصر الراهن مجرد تجربة نفسية عابرة ترتبط بإخفاقات شخصية، بل باتت تُفهم كقضية سياسية ومجتمعية ذات أبعاد عميقة. وقد دفعت التحولات الكبرى، لا سيما بعد جائحة كورونا وهيمنة المنصات الرقمية، الباحثين إلى إعادة تقييم هذه الظاهرة بوصفها مهدداً لاستقرار المجتمعات وأنماط الانتماء التقليدية.
تطرح الكاتبة البريطانية أوليفيا لاينغ رؤية لافتة تعتبر فيها الوحدة مورداً سياسياً يمكن 'تسليحه' من قبل الحركات الشعبوية والمتطرفة. وترى لاينغ أن العزلة ليست دائماً نتاج فشل فردي، بل هي انعكاس لبنى اقتصادية واجتماعية تقصي فئات واسعة وتتركها في مهب الاغتراب السياسي والثقافي.
إن الانتقال من الفهم الفردي للوحدة إلى الفهم البنيوي يكشف عن دور الفقر والتمييز العرقي والتهميش في إنتاج مشاعر الانفصال. هذه العوامل تجعل الأفراد، حتى في أكثر المدن ازدحاماً، يشعرون بأنهم خارج السياق المجتمعي، مما يولد فجوة تبحث عن أي كيان يملؤها بالمعنى، ولو كان متطرفاً.
وفي مفارقة لافتة، تحول الإنترنت من وسيلة لتعزيز التواصل إلى أداة لتعميق الانعزال عبر خوارزميات تعزل المستخدمين في فقاعات فكرية. هذه 'الجزر المعرفية' تمنع تشكل فضاء عام مشترك، وتجعل الأفراد أكثر عرضة للمحتوى الذي يغذي الغضب والاستياء لتحقيق معدلات تفاعل رقمي مرتفعة.
تعتبر لاينغ أن الإنسان المعزول لا يبحث عن الصحبة فحسب، بل يفتش عن تفسير لمعاناته ومنظومة تمنحه شعوراً بالانتماء. وعندما تفشل المؤسسات التقليدية كالأسرة والأحزاب في توفير هذا المعنى، تبرز الجماعات الأيديولوجية لتقدم إجابات مبسطة تعتمد على نظرية المؤامرة واستهداف الآخر.
يبرز فضاء 'المانوسفير' كنموذج صارخ لكيفية استقطاب الشباب الذين يعانون من الفشل العاطفي أو الرفض الاجتماعي. حيث تقوم هذه التيارات بتحويل الألم الشخصي إلى سردية صراع جماعي ضد النساء أو التحولات الثقافية، مما يمنح المنعزلين إحساساً زائفاً بالقوة والارتباط.
ومع ذلك، يرى نقاد أن ربط التطرف بالوحدة وحدها قد يكون تبسيطاً لظاهرة معقدة ترتبط بجذور اقتصادية وسياسية أعمق. فصعود اليمين المتطرف يتغذى أيضاً على تآكل الطبقة الوسطى، واتساع الفجوة بين النخب والجماهير، وفقدان الهوية الثقافية في ظل العولمة المتسارعة.
الوحدة لم تعد مجرد شعور مؤلم يعيشه الأفراد، بل تحولت إلى مورد سياسي يمكن استثماره وتوجيهه، بل وحتى تسليحه من قبل الحركات الشعبوية.
إن أزمة المجتمعات الحديثة هي في جوهرها أزمة 'معنى' قبل أن تكون أزمة 'وحدة' مادية أو تواصلية. فالإنسان يحتاج إلى منظومة قيمية وأخلاقية تمنحه تفسيراً لوجوده، وهو ما لا يمكن للاتصال الرقمي المجرد أو العلاقات العابرة أن توفره بشكل مستدام.
تعد المؤسسات الدينية والتربوية خط الدفاع الأول في مواجهة هذا التفكك، كونها توفر أطراً مرجعية تجيب عن الأسئلة الوجودية الكبرى. فالدين، بوظيفته الاجتماعية، ينتج تضامناً يتجاوز المصالح الفردية، ويخلق صمامات أمان تحمي الفرد من الانزلاق نحو التطرف العنيف.
وتلعب الأسرة دوراً مركزياً كالمؤسسة الأولى التي يتعلم فيها الإنسان قيم المسؤولية والثقة المتبادلة. وعندما تضعف الروابط الأسرية أو تتحول إلى مجرد سكن مشترك بلا روح، يفتقد الفرد البوصلة الأخلاقية التي تحميه من خطابات الكراهية والاغتراب المجتمعي.
أما المؤسسات التعليمية، فقد باتت مطالبة باستعادة دورها التربوي في بناء الشخصية المدنية بدلاً من الاكتفاء بنقل المعارف التقنية. إن غياب البوصلة القيمية في التعليم يخرج أفراداً يمتلكون المهارات لكنهم يفتقرون للحصانة الفكرية ضد الأيديولوجيات الإقصائية التي تنتشر في الفضاءات الرقمية.
يتحمل الإعلام أيضاً مسؤولية كبرى في هذا السياق، حيث يجب أن يتحول من أداة للإثارة والاستقطاب إلى وسيلة لترسيخ القيم المشتركة. الإعلام الذي يغذي النزعات الاستهلاكية والفردانية يساهم، من حيث لا يدري، في تفكيك الروابط الاجتماعية التي تحفظ توازن واستقرار المجتمعات.
في السياق العربي، تكتسب هذه المناقشة أهمية مضاعفة نظراً لتزايد مظاهر العزلة بين الشباب بسبب الأزمات الاقتصادية والبطالة. إن مواجهة 'وباء الوحدة' في منطقتنا تتطلب مشروعاً مجتمعياً يعيد الاعتبار للمجتمع المدني ويوفر فضاءات عامة للتفاعل الإنساني الحقيقي بعيداً عن صخب المنصات.
في الختام، تظل المعركة ضد التطرف والكراهية معركة من أجل استعادة الإنسان لشعوره بالاعتراف والقدرة على بناء علاقات ذات معنى. إن تشخيص أوليفيا لاينغ يفتح الباب لفهم كيف يصبح الألم الشخصي وقوداً للسياسة، لكن الحل يكمن في إعادة بناء المؤسسات القادرة على إنتاج الثقة.





شارك برأيك
الوحدة كأداة سياسية: كيف تحول الاغتراب الاجتماعي إلى وقود للتطرف؟