تحليل

السّبت 27 يونيو 2026 2:45 مساءً - بتوقيت القدس

ترمب يصعّد خطابه ضد اليسار: الديمقراطيون التقدميون "أخطر تهديد" لأميركا منذ تأسيسها

رسالة واشنطن




واشنطن – سعيد عريقات -27/6/2026


صعّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب هجومه السياسي والإيديولوجي على الجناح التقدمي داخل الحزب الديمقراطي، واصفاً خصومه بأنهم “شيوعيون ملحدون " و"حيوانات"، في خطاب حاد ألقاه أمام مؤتمر ائتلاف "الإيمان والحرية" في العاصمة واشنطن، بالتزامن مع منشور مطول نشره عبر منصة "تروث سوشيال" تجاوز 400 كلمة، حمل اتهامات غير مسبوقة للقوى التقدمية الأميركية، محذراً مما اعتبره تهديداً وجودياً للولايات المتحدة.


وجاء التصعيد عقب النجاحات التي حققها مرشحون تقدميون واشتراكيون ديمقراطيون في الانتخابات التمهيدية بمدينة نيويورك، بدعم من رئيس البلدية زهران ممداني، وهو ما اعتبره ترمب مؤشراً على تمدد التيار اليساري داخل الحزب الديمقراطي، وتحوله إلى قوة سياسية قادرة على التأثير في مستقبل الانتخابات الوطنية.


وقال ترمب إن ما وصفه بـ"الشيوعيين المتشددين" يمثلون "أخطر تهديد تواجهه الولايات المتحدة منذ تأسيسها قبل 250 عاماً"، معتبراً أن أفكارهم لا تستهدف فقط الاقتصاد، وإنما أيضاً الهوية الدينية والاجتماعية للأميركيين. وزعم أن هذا التيار "سيغلق الكنائس ويقتل الناس"، مدعياً أن الاغتيالات تشكل جزءاً أساسياً من عقيدته السياسية، من دون أن يقدم أدلة تدعم هذه الاتهامات.


وفي محاولة للسخرية من خصومه، قال ترمب إنه يستطيع أن يصبح "أعظم شيوعي في التاريخ" إذا وعد الأميركيين بالمساكن المجانية والطعام المجاني، لكنه أضاف أن مثل هذه السياسات ستقود البلاد، بحسب تعبيره، إلى الفقر والانهيار الاقتصادي وتحويل الولايات المتحدة إلى دولة عاجزة عن المنافسة.


ويأتي هذا الخطاب في إطار الحملة الانتخابية التي يعتمد فيها ترمب على تعبئة قاعدته المحافظة والإنجيلية، من خلال تقديم الصراع السياسي باعتباره مواجهة وجودية بين قيم دينية ومحافظة من جهة، وأفكار يسارية راديكالية من جهة أخرى. ويعكس اختياره لمنصة "ائتلاف الإيمان والحرية" حرصه على مخاطبة أحد أهم مكونات قاعدته الانتخابية التي لعبت دوراً محورياً في صعوده السياسي خلال السنوات الماضية.


ويرى مراقبون أن لغة ترمب تجاوزت الانتقاد السياسي التقليدي إلى خطاب يقوم على التخويف والاستقطاب الحاد، إذ يصور المنافسين السياسيين باعتبارهم خطراً وجودياً لا مجرد خصوم انتخابيين، وهو أسلوب أصبح سمة بارزة في خطابه منذ دخوله الحياة السياسية.


ويعكس هذا الخطاب اتجاهاً متزايداً في السياسة الأميركية يقوم على تحويل المنافسة الانتخابية إلى معركة أخلاقية وثقافية، بدلاً من أن تكون منافسة حول البرامج والسياسات. فعندما يُصوَّر الخصم باعتباره عدواً للوطن والدين، تتراجع مساحة الحوار الديمقراطي لصالح خطاب التعبئة والخوف. وتزداد خطورة هذا النهج عندما يصدر عن رئيس سابق يسعى للعودة إلى البيت الأبيض، لأن كلماته لا تؤثر فقط في أنصاره، بل تعيد رسم حدود النقاش العام وتدفع المجتمع نحو مزيد من الاستقطاب والانقسام.


كما تكشف تصريحات ترمب عن نجاح التيار التقدمي في فرض نفسه لاعباً مؤثراً داخل الحزب الديمقراطي، الأمر الذي دفع الجمهوريين إلى اعتباره التهديد الرئيسي في الانتخابات المقبلة. فالتركيز المكثف على انتصارات نيويورك يعكس إدراكاً بأن التحولات داخل الحزب الديمقراطي قد تمتد إلى ولايات أخرى، بما يغير طبيعة المنافسة السياسية. إلا أن تضخيم هذا الخطر عبر أوصاف مثل "الشيوعية" و"تدمير أميركا" يعكس أيضاً توظيفاً انتخابياً لمخاوف تاريخية ارتبطت بالحرب الباردة أكثر من ارتباطها بالواقع السياسي الحالي.


ويثير استخدام مفردات مثل "سيغلقون الكنائس" و"سيقتلون الناس" تساؤلات حول حدود الخطاب السياسي في الولايات المتحدة، خصوصاً في ظل تصاعد التوترات الاجتماعية وحوادث العنف السياسي خلال السنوات الأخيرة. فاللغة التي تعتمد على التخويف قد تحقق مكاسب انتخابية قصيرة الأمد، لكنها تحمل في الوقت نفسه مخاطر تعميق الانقسامات المجتمعية وإضعاف الثقة بالمؤسسات الديمقراطية، خاصة عندما تُطرح ادعاءات خطيرة من دون أدلة واضحة، الأمر الذي يفتح الباب أمام انتشار المعلومات المضللة وتعزيز نظريات المؤامرة بين الجمهور.


ولا تبدو تصريحات ترمب مجرد رد فعل على نتائج انتخابية محلية، بل تمثل جزءاً من استراتيجية انتخابية أوسع تقوم على استنهاض القاعدة المحافظة اليمينية عبر تصوير الانتخابات المقبلة على أنها معركة لإنقاذ الولايات المتحدة من تحول جذري في هويتها السياسية والثقافية. غير أن استمرار هذا النهج قد يجعل الخطاب العام أكثر حدة، ويقلص فرص التوافق بين الحزبين، في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة تحديات اقتصادية واجتماعية ودولية تتطلب قدراً أكبر من التوافق الوطني، لا مزيداً من الانقسام السياسي.

دلالات

شارك برأيك

ترمب يصعّد خطابه ضد اليسار: الديمقراطيون التقدميون "أخطر تهديد" لأميركا منذ تأسيسها

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.