تتمسك المؤسسة الأمنية والعسكرية في تل أبيب بنهج صهيوني قديم يُعرف بعقيدة 'جز العشب'، وهي استراتيجية تقوم في جوهرها على مبدأ أن القوة المفرطة هي السبيل الوحيد للتعامل مع الخصوم. تعتمد هذه العقيدة على توجيه ضربات عسكرية واستخباراتية استباقية ومستمرة تهدف إلى إضعاف الطرف الآخر ومنعه من مراكمة القوة، بدلاً من السعي نحو حسم الصراعات عبر المسارات السياسية والدبلوماسية.
تتسم سياسات القتل الإسرائيلية بكونها نظاماً منهجياً ومؤسسياً يحظى بدعم كامل من المنظومة السياسية، حيث يتم توجيه الجنود لاستخدام القوة المميتة دون تردد. وفي أعقاب كل جريمة، تلجأ الماكينة الإعلامية الرسمية إلى استخدام تعبيرات تلطيفية مثل 'أضرار جانبية' أو 'ضحايا حرب'، وفي بعض الحالات يتم تصنيف المجازر كـ 'أخطاء فردية' للتهرب من المسؤولية القانونية والدولية.
برزت هذه السياسة بشكل جلي في الساحة اللبنانية مؤخراً، حيث استهدفت القوات الإسرائيلية ضابطين وجندياً من الجيش اللبناني في اعتداء مباشر أثار موجة من التنديد الرسمي. وقد وصف قائد الجيش اللبناني، جوزيف عون، هذه الحادثة بأنها انتهاك صارخ للسيادة الوطنية، مؤكداً أن الاستهداف لم يكن عفوياً بل يندرج ضمن سياق التصعيد المستمر.
من جانبه، وضع رئيس الوزراء اللبناني، نواف سلام، هذا الاعتداء في خانة 'الجريمة الموصوفة' التي لا يمكن السكوت عنها في المحافل الدولية. كما قطع رئيس البرلمان اللبناني، نبيه بري، الطريق أمام الرواية الإسرائيلية، مؤكداً أن ما جرى ليس مجرد خطأ تقني أو شبهة كما تحاول مصادر الاحتلال الترويج له لتخفيف حدة الضغط الدبلوماسي.
في المقابل، زعم جيش الاحتلال أن استهداف المركبة اللبنانية جاء بعد أن أثارت الشبهات داخل منطقة قتال نشطة تتطلب تنسيقاً مسبقاً للحركة. وادعت مصادر عسكرية أن القرار اتُخذ بناءً على 'الخطر المفترض' الذي شكلته السيارة على الجنود، وهي رواية تتناقض مع امتلاك إسرائيل لأحدث منظومات الاستطلاع والتحقق الاستخباراتي في العالم.
هذا السلوك الإسرائيلي لا يقتصر على الجبهة اللبنانية فحسب، بل يمتد ليشمل الأراضي الفلسطينية المحتلة، حيث تكررت حوادث قتل المدنيين بدم بارد تحت ذرائع أمنية واهية. ومن أبرز هذه الشواهد استشهاد الرضيع سام أبو هيكل في مدينة الخليل، والذي لم يتجاوز عمره سبعة أشهر، خلال عمليات اقتحام ومداهمة نفذتها قوات الاحتلال في الضفة الغربية.
ما لا تنجح إسرائيل في أخذه بالقوة، تسعى لانتزاعه بمزيد من القوة عبر عقيدة عسكرية لا تعترف بالحلول السياسية.
أقرت سلطات الاحتلال بواقعة قتل الرضيع في بيان رسمي اتسم بلغة ضبابية، حيث زعم البيان أن مركبة كانت تتسارع باتجاه الجنود مما دفعهم لفتح النار 'تحسباً'. وتكشف هذه الحادثة عن نمط ثابت يمنح الجندي صلاحية القتل أولاً، ثم يترك للمؤسسة العسكرية مهمة صياغة التبريرات التي تفرغ الجريمة من محتواها الأخلاقي.
تشير الإحصائيات الرسمية إلى تصاعد مرعب في أعداد الضحايا بالضفة الغربية منذ الثامن من أكتوبر 2023، حيث قتلت إسرائيل أكثر من 1168 فلسطينياً. كما أصيب ما يقارب 12 ألفاً آخرين بجروح متفاوتة، في حين تعرض نحو 23 ألف مواطن للاعتقال، وتم تهجير ما يزيد عن 33 ألفاً من منازلهم في ظل سياسة العقاب الجماعي.
لا يتم التعامل مع الضحايا في الخطاب الرسمي الإسرائيلي كأرواح بشرية تستوجب المساءلة أو المراجعة، بل يُنظر إليهم ككلفة جانبية حتمية لاستخدام القوة. هذا المنطق يحول الجرائم إلى أرقام مجردة، ويستخدم قاموساً ثابتاً من المصطلحات التي تهدف إلى نزع الإنسانية عن الضحايا وتبرير الفشل في تجنب استهداف غير المقاتلين.
مع مرور العقود وتراكم هذه الحوادث، تحول منطق 'القتل أولاً' من استثناء تفرضه ظروف الميدان إلى جزء أصيل من الثقافة الأمنية الراسخة في إسرائيل. هذه الثقافة تمنح الأولوية المطلقة لتنفيذ المهمة العسكرية بأي ثمن، وترحل كافة الأسئلة الأخلاقية والقانونية المتعلقة بالضحايا إلى مرحلة ما بعد التنفيذ، وغالباً ما يتم تجاهلها تماماً.
إن الخسائر البشرية المتزايدة في الرواية الإسرائيلية ليست حوادث منفصلة أو عارضة، بل هي نتيجة حتمية لنهج تأسس على تغليب التفوق العسكري المطلق. هذا النهج يرى في 'الحسم بالقوة' الخيار الوحيد، مما يؤدي إلى تكرار المجازر في غزة والضفة ولبنان دون وجود رادع حقيقي يوقف هذه الماكينة العسكرية.
في نهاية المطاف، تظل عقيدة 'جز العشب' وسيلة إسرائيلية للهروب من استحقاقات السلام والاعتراف بحقوق الشعوب، عبر الاستمرار في دوامة العنف. وبينما تبحث تل أبيب عن تبريرات قانونية لكل رصاصة تطلقها، تظل الحقائق على الأرض شاهدة على سياسة ممنهجة تضع القتل في مقدمة أولوياتها الاستراتيجية.





شارك برأيك
عقيدة 'جز العشب': كيف تكرس إسرائيل سياسة القتل الاستباقي وتبرير المجازر؟