شهدت محافظة عكار في أقصى الشمال اللبناني، يوم السبت، انطلاق أعمال إعادة تأهيل مطار القليعات الدولي، المعروف باسم مطار الشهيد رينيه معوض. تأتي هذه الخطوة بعد عقود من الإهمال والتأجيل، لتمثل بارقة أمل في إيجاد متنفس جوي جديد للبلاد التي تعتمد كلياً على مطار بيروت الدولي الوحيد حالياً.
أكد وزير النقل والأشغال العامة، فايز رسامني، خلال حفل الافتتاح أن تحويل المطار إلى مرفق مدني لم يعد مجرد وعود انتخابية، بل أصبح قراراً استراتيجياً نافذاً. وأشار الوزير إلى أن المطار الذي ظل قاعدة عسكرية لسنوات طويلة، سيتحول إلى محرك اقتصادي حيوي لمنطقة الشمال اللبناني بأكملها.
من المتوقع أن تبدأ العمليات التشغيلية الأولية في المطار خلال أسابيع قليلة، حيث ستتركز الرحلات في المرحلة الأولى نحو وجهات إقليمية محددة. وتشمل هذه الوجهات مدن مرسين واسطنبول التركية بالإضافة إلى دبي، مما يعزز الربط الجوي المباشر مع مراكز اقتصادية هامة في المنطقة.
كشف رسامني عن وجود خطط مستقبلية طموحة لتوسيع شبكة الرحلات لتشمل عواصم كبرى مثل القاهرة وأثينا، بالإضافة إلى مطارات المملكة العربية السعودية. وتهدف هذه التوسعة إلى تخفيف الضغط عن العاصمة بيروت وتوفير خيارات سفر أسهل لسكان المناطق الشمالية والحدودية.
تجري السلطات اللبنانية حالياً مفاوضات متقدمة مع شركات طيران عالمية منخفضة التكلفة، من بينها شركتي 'راين اير' و'بيغاسوس'. ويسعى لبنان من خلال هذه الخطوة إلى جذب شريحة واسعة من المسافرين والسياح عبر تقديم أسعار تنافسية وخدمات لوجستية متطورة في المرفق الجديد.
تستغرق المرحلة المكثفة من أعمال التأهيل الإنشائية والتقنية نحو ثلاثة أشهر على الأقل لضمان مطابقة المعايير الدولية لسلامة الطيران. وبحسب تقديرات فنية، من المخطط أن يدخل المطار في الخدمة الرسمية الكاملة وبطاقته القصوى بحلول شهر نوفمبر من عام 2026.
يعود تاريخ إنشاء مطار القليعات إلى فترة الانتداب الفرنسي في الثلاثينيات، حيث استُخدم كمهبط عسكري قبل أن يتحول لفترة وجيزة إلى الاستخدام المدني. وقد شهد المطار محطات قاسية في تاريخه، كان أبرزها تعرضه لقصف إسرائيلي مباشر خلال عدوان تموز عام 2006، مما أدى لتضرر بنيته التحتية.
بعد أكثر من خمسين عاماً من الوعود والانتظار، نقف اليوم في القليعات لنعلن أن مطار الشهيد رينيه معوض لم يعد مشروعاً مؤجلاً بل خياراً وطنياً.
يمثل تشغيل المطار فرصة ذهبية لمحافظة عكار، التي تصنف كواحدة من أفقر المناطق اللبنانية وأكثرها تهميشاً من حيث الخدمات والمشاريع. ومن شأن هذا المشروع أن يوفر آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة للشباب في المنطقة، مما يساهم في خفض معدلات البطالة المرتفعة.
يرى مراقبون أن موقع المطار الاستراتيجي بالقرب من الحدود السورية يمنحه بعداً اقتصادياً يتجاوز الحدود اللبنانية. فقد يتحول المرفق إلى محطة محورية وجسر إمداد رئيسي لعمليات إعادة إعمار سوريا في المستقبل، مستفيداً من قربه الجغرافي من مرفأ طرابلس الحيوي.
على الصعيد السياسي، يثير افتتاح المطار نقاشات حول التوازن الجغرافي والسياسي في البلاد، خاصة في ظل التوترات الأمنية المتكررة. وتبرز هواجس لدى بعض القوى السياسية بشأن البيئة المحيطة بمطار بيروت، مما يجعل من مطار القليعات خياراً آمناً ومستقلاً في حالات الطوارئ.
أوضح المحلل السياسي توفيق شومان أن المشروع يحظى بتوافق وطني واسع منذ اتفاق الطائف، لكن تنفيذه ظل رهيناً للتجاذبات السياسية. وأشار إلى أن الهدف المعلن هو التنمية، لكن التوقيت والسياق الإقليمي يفرضان أبعاداً سياسية لا يمكن تجاهلها في المشهد اللبناني المعقد.
شدد رئيس الحكومة، نواف سلام، في تصريحات سابقة على أن مطار القليعات لن يكون منافساً أو بديلاً لمطار رفيق الحريري الدولي في بيروت. بل أكد أن الرؤية الحكومية تعتمد على تكامل الأدوار بين المرفقين لتعزيز قدرات لبنان اللوجستية وتأمين بدائل جوية مستدامة.
يبقى التحدي الأكبر أمام السلطات اللبنانية هو القدرة على تأمين التمويل المستدام وضمان استقرار الأوضاع الأمنية لاستكمال المشروع. وسيكون رصد حركة المطارين معاً في المستقبل هو المعيار الحقيقي لمدى نجاح الدولة في المواءمة بين الأهداف التنموية والضغوط السياسية.





شارك برأيك
لبنان يطلق أعمال تأهيل مطار القليعات: خطوة تنموية بظلال سياسية