لا تُعد علاقة الممثلة البريطانية هيلين ميرين بإسرائيل مجرد تفصيل عابر في مسيرتها الفنية الطويلة، بل هي ارتباط وثيق يمتد لعقود. فمنذ تجربتها في 'الكيبوتس' عقب حرب عام 1967 وصولاً إلى تجسيدها شخصية غولدا مائير، تتحرك ميرين في منطقة شائكة تمزج بين الفن والموقف السياسي الصريح. هذا الالتزام جعلها مؤخراً في مواجهة انتقادات علنية في شوارع لندن، حيث وُصفت بـ 'الصهيونية المعلنة'.
حازت ميرين على جائزة الأوسكار عام 2006 عن دورها في فيلم 'الملكة'، الذي جسدت فيه شخصية إليزابيث الثانية في مرحلة ما بعد وفاة الأميرة ديانا. وفي هذا العمل، أبدعت في تصوير الصراع بين العاطفة والواجب الملكي الصارم. ومع ذلك، يبدو أن ميرين في حياتها الواقعية تتخلى عن هذا التحفظ عندما يتعلق الأمر بدعمها المطلق لإسرائيل، وهو موقف يثير الكثير من الجدل.
تداول ناشطون مؤخراً مقطع فيديو يظهر ميرين وزوجها المخرج تايلور هاكفورد في مشادة كلامية مع شخص وصفها بالصهيونية الشريرة. ورغم أن الفيديو قد يعود للعام الماضي، إلا أن إعادة نشره تزامنت مع تصاعد التوترات السياسية. وقد رد زوجها بغضب على تلك الاتهامات، بينما التزمت ميرين الصمت في تلك اللحظة، رغم تصريحاتها السابقة التي لا تدع مجالاً للشك في توجهاتها.
في أغسطس 2023، وخلال ترويجها لفيلم 'غولدا'، صرحت ميرين للقناة 12 الإسرائيلية بإيمانها العميق ببقاء إسرائيل 'إلى الأبد'. واعتبرت أن الدولة العبرية مكان استثنائي، معبرة عن حنينها للفترة التي قضتها هناك في شبابها. هذه التصريحات أعادت تسليط الضوء على هويتها السياسية التي تتقاطع بشكل دائم مع أدوارها السينمائية.
يعود تاريخ هذا الارتباط إلى عام 1967، عندما زارت ميرين إسرائيل برفقة صديق يهودي وتطوعت للعمل في 'كيبوتس هاعون' قرب بحيرة طبريا. تصف ميرين تلك التجربة بأنها كانت 'سحرية'، حيث عملت في قطف العنب والمطبخ. ومنذ ذلك الحين، بدأت ميرين في ترسيخ علاقة عاطفية وفكرية مع المشروع الصهيوني، وهو ما انعكس لاحقاً في خياراتها المهنية.
على مر السنين، أدت ميرين أدواراً متعددة تخدم السردية الإسرائيلية واليهودية، منها دور عميلة موساد في فيلم 'الدين' عام 2010. ولأجل هذا الدور، درست اللغة العبرية وتاريخ 'المحرقة' لعدة أشهر لضمان دقة الأداء. كما شاركت في فيلم 'امرأة من ذهب' الذي يتناول استعادة ممتلكات يهودية من الحكومة النمساوية، مما عزز حضورها كوجه سينمائي مرتبط بهذه القضايا.
يعد فيلم 'غولدا' عام 2023 الذروة في مسيرة ميرين المرتبطة بإسرائيل، حيث جسدت دور رئيسة الوزراء التي أدارت حرب عام 1973. الفيلم الذي أخرجه الإسرائيلي جاي ناتيف، ركز على الأسابيع الثلاثة للحرب من وجهة نظر إسرائيلية بحتة. ورغم الأداء القوي لميرين، إلا أن النقاد اعتبروا العمل متوسط المستوى فنياً ومنحازاً سياسياً بشكل فج.
أنا مؤمنة بإسرائيل، وأعتقد أنها دولة استثنائية مليئة بأناس استثنائيين للغاية.
بدأ فيلم 'غولدا' بلقطات أرشيفية للنكبة عام 1948 وانتهى بتوقيع معاهدة كامب ديفيد، محاولاً تصوير غولدا مائير كقائدة وحيدة تعاني لإنقاذ دولتها. وقد غيب الفيلم تماماً الجانب العربي من الصراع، ولم يظهر المصريين أو السوريين إلا كأعداء في الظل. هذا التغييب المتعمد يعكس الرؤية الأحادية التي تبناها العمل والممثلة على حد سواء.
يرى بعض النقاد تشابهاً بين أداء ميرين في 'غولدا' وأدائها في 'الملكة' من حيث الصمت والتحفظ، لكن المقارنة تبدو مجحفة. ففي 'الملكة'، كان الصمت يعبر عن عمق إنساني وصراع داخلي حقيقي، بينما في 'غولدا' بدا الأداء نمطياً ومحاصراً بسحب دخان السجائر. لقد طغى البعد السياسي والترويجي في 'غولدا' على القيمة الدرامية للعمل.
دافعت ميرين عن قبولها للدور رغم الجدل حول سياسات غولدا مائير تجاه الفلسطينيين، مدعية أنها مجرد ممثلة تؤدي دوراً تاريخياً. وقالت إنها لا تسعى لتبرير أفعال الشخصية، بل لتصوير امرأة في سن معينة تتعامل مع موقف معقد. ومع ذلك، فإن تاريخها الشخصي وتصريحاتها المؤيدة للاحتلال تجعل من الصعب تصديق حيادها الفني.
اعتبرت ميرين أن وصول غولدا مائير للسلطة كان 'لحظة مذهلة' للنساء حول العالم، متجاهلة الإرث الدموي لتلك الحقبة. هذا الانبهار بشخصية مائير يتسق مع رفض ميرين الدائم للمقاطعة الثقافية لإسرائيل. ورغم انتقادها الخجول أحياناً لسياسات بنيامين نتنياهو، إلا أنها تظل متمسكة بدعمها الجوهري لكيان الاحتلال.
واجهت ميرين انتقادات من داخل الوسط اليهودي في هوليوود، حيث اعترض البعض على أداء ممثلة غير يهودية لشخصية غولدا. ورداً على ذلك، تحدثت ميرين عن ضرورة الحفاظ على 'توازن دقيق' عند تجسيد شخصيات من ثقافات مختلفة. لكن هذا التوازن الذي تنشده ميرين يبدو غائباً تماماً عندما يتعلق الأمر بحقوق الفلسطينيين أو معاناتهم.
ولدت ميرين في لندن عام 1945 لأب من أصول روسية وأم بريطانية، وبدأت مسيرتها المسرحية في سن العشرين. تألقت في أدوار كلاسيكية مع فرقة شكسبير الملكية قبل أن تنتقل إلى الشاشة الكبيرة. ورغم تنوع أدوارها بين الملكات والشخصيات التاريخية، إلا أن انحيازها لإسرائيل يظل علامة فارقة ومثيرة للجدل في تاريخها.
تظل هيلين ميرين نموذجاً للمثقف والفنان الغربي الذي يتبنى الرواية الصهيونية بوعي كامل، مستخدمة أدواتها الفنية لتعزيزها. وبينما تستمر في حصد الجوائز والتقدير العالمي، تلاحقها مواقفها السياسية التي يراها الكثيرون انحيازاً غير أخلاقي ضد حقوق الشعب الفلسطيني. إن مسيرتها ستبقى دائماً موضوعاً للنقاش بين الإبداع الفني والموقف الإنساني.





شارك برأيك
هيلين ميرين.. مسيرة سينمائية في خدمة السردية الإسرائيلية من 'الكيبوتس' إلى 'غولدا'