كشفت تقارير تحليلية حديثة عن تحول جذري في العقيدة العسكرية والأمنية لدولة الإمارات العربية المتحدة، تجلى في تنفيذها هجوماً جوياً مستقلاً استهدف مصافي نفط إيرانية في جزيرة لافان. ورغم الصمت الرسمي، تشير المعطيات إلى أن هذه الخطوة جاءت رداً على أسابيع من الهجمات الصاروخية الإيرانية، مما يعكس رغبة أبوظبي في إثبات قدرتها على الردع المنفرد بعيداً عن المظلة التقليدية لحلفائها.
هذا التوجه العسكري ترافق مع خطاب سياسي متشدد قاده المستشار الدبلوماسي أنور قرقاش، الذي لم يتردد في وصف إيران بالتهديد الرئيسي للمنطقة. وانتقدت الدبلوماسية الإماراتية ما اعتبرته تقاعساً من دول الجوار في اتخاذ مواقف حاسمة، مما أدى إلى اتساع الفجوة بين أبوظبي وعواصم خليجية أخرى تفضل المسارات الدبلوماسية لاحتواء طهران.
وفي خطوة اقتصادية زلزلت أسواق الطاقة، أعلنت الإمارات انسحابها من منظمة 'أوبك' في مطلع مايو الماضي، في مسعى صريح لتحرير سياستها النفطية من القيود الجماعية. ويرى مراقبون أن هذا القرار يهدف إلى زيادة الإنتاج وتوفير السيولة اللازمة لتمويل الطموحات التوسعية للإمارات في الخارج، بعيداً عن التنسيق مع السعودية.
تسعى الإمارات حالياً للاعتراف بها كقوة دولية رائدة تضاهي في نفوذها دولاً كبرى مثل فرنسا، مستخدمة في ذلك أذرعها الاقتصادية الضخمة وصناديقها السيادية. وتعتمد هذه الاستراتيجية على بناء شراكات تكنولوجية وعسكرية عميقة مع دولة الاحتلال والولايات المتحدة، معتبرة أن هذا التحالف هو الضمانة الوحيدة للأمن في منطقة تعاني من عدم الاستقرار.
على الصعيد الإقليمي، تثير التدخلات الإماراتية في ملفات مثل السودان واليمن توترات متصاعدة مع القوى الإقليمية والدولية. ففي السودان، واجهت أبوظبي انتقادات حادة بسبب دعمها لقوات الدعم السريع، وهو الدعم الذي بررته بمحاولة الحد من نفوذ التيارات الإسلامية، لكنه وضعها في مواجهة مع تقارير دولية تتحدث عن انتهاكات جسيمة.
العلاقة مع السعودية شهدت هي الأخرى هزات عنيفة، خاصة بعد التباين الواضح في الرؤى تجاه الملف اليمني والتعامل مع التهديدات الإيرانية. وبينما تميل الرياض نحو الدبلوماسية الجماعية، تصر أبوظبي على خيار الأمن الجماعي القائم على القوة والتحالفات العسكرية المباشرة مع أطراف خارج المنظومة العربية التقليدية.
وفي القارة الأفريقية، تحاول الشركات الإماراتية الكبرى مثل 'موانئ دبي العالمية' تعزيز سيطرتها على الممرات المائية وسلاسل التوريد، إلا أن هذه الطموحات واجهت نكسات في جيبوتي والصومال. ويرى باحثون أن النهج الاقتصادي الإماراتي يُنظر إليه أحياناً كأداة للهيمنة السياسية، مما يؤدي إلى ردود فعل وطنية غاضبة في الدول المستهدفة.
تخاطر استراتيجية أبوظبي بعزل الإمارات عن بقية دول الخليج، وجعلها أكثر اعتماداً على شركاء أقوياء، مما يقيد خيارات الدولة بدلاً من تعزيز مكانتها.
لقد أدت الحرب والتوترات المستمرة مع إيران إلى تضرر سمعة الإمارات كملاذ آمن للمستثمرين، رغم كفاءة أنظمة الدفاع الجوي التي تستخدمها. فإغلاق مضيق هرمز وتكرار استهداف البنية التحتية التجارية أثرا بشكل مباشر على قطاعات السياحة والخدمات اللوجستية التي تعتمد عليها دبي بشكل أساسي.
تشير مصادر مطلعة إلى أن الإمارات تشعر بخيبة أمل من مواقف بعض الحلفاء التقليديين مثل مصر، التي فضلت النأي بنفسها عن التصعيد العسكري المباشر مع إيران. ورغم الدعم المالي الإماراتي الكبير للقاهرة، إلا أن التباين في الأولويات الاستراتيجية أصبح واضحاً للعيان، خاصة فيما يتعلق بالعلاقة مع إسرائيل.
الرهان الإماراتي على 'تل أبيب' كشريك أمني استراتيجي منح أبوظبي نفوذاً إضافياً في واشنطن، لكنه لم ينجح في خلق جبهة إقليمية موحدة. فالدول العربية الأخرى لا تزال تنظر بحذر إلى هذا التحالف، مما يبقي الإمارات في حالة من الاستفراد السياسي داخل المحيط العربي والخليجي.
في ظل إدارة ترامب، وجدت الإمارات مساحة للمناورة من خلال صفقات التكنولوجيا المتقدمة ورقائق الذكاء الاصطناعي، مقابل وعود باستثمارات ضخمة. ومع ذلك، تظل هذه العلاقة مرهونة بتقلبات السياسة الأمريكية، مما قد يجعل أبوظبي عرضة للتبعية الكاملة للقرار السياسي في واشنطن.
تتزايد المخاوف من أن تؤدي هذه السياسة 'المنفردة' إلى عزل الإمارات عن بيئتها الطبيعية في مجلس التعاون الخليجي، وهو ما قد يضعف موقفها التفاوضي مستقبلاً. فالقوة المالية والعسكرية، رغم أهميتها، لا يمكن أن تعوض غياب التكتل الإقليمي الموحد في مواجهة القوى الكبرى.
المستقبل يبقى مفتوحاً على احتمالات عدة؛ فإما المضي قدماً في التصعيد العسكري المباشر بجانب إسرائيل في حال فشل المفاوضات مع إيران، أو العودة إلى الحضن العربي والخليجي إذا ما تغيرت الظروف الدولية. لكن في كلتا الحالتين، يبدو أن الإمارات قد اختارت مساراً محفوفاً بالمخاطر الاستراتيجية الكبرى.
إن الاستقلال الاستراتيجي الذي تنشده أبوظبي قد يتحول إلى تبعية قسرية إذا لم توازن بين طموحاتها العالمية والتزاماتها الإقليمية. فالتاريخ يثبت أن التعاون مع الجيران هو الضمانة الأكيدة للمكانة الدولية المستدامة، وبدونه قد تجد الإمارات نفسها وحيدة في مواجهة عواصف المنطقة المتلاحقة.





شارك برأيك
رهانات أبوظبي الخطرة: هل تعزل الإمارات نفسها عربياً من أجل واشنطن وتل أبيب؟