يواجه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تحديات سياسية متصاعدة في المناطق الشمالية، حيث أظهرت أحدث استطلاعات الرأي تراجعاً حاداً في شعبيته وشعبية حزبه 'الليلكود'. ويأتي هذا التراجع في وقت تزداد فيه الضغوط الشعبية لاتخاذ موقف عسكري أكثر تشدداً ضد حزب الله، خاصة مع استمرار سقوط الصواريخ والمسيرات على المستوطنات الحدودية.
ووفقاً لنتائج استطلاع أجراه مختبر 'أجام' التابع للجامعة العبرية، فإن سكان الشمال بدأوا بالتخلي عن دعم الائتلاف الحاكم بوتيرة أسرع بكثير من بقية المناطق. ويرى مراقبون أن هذا التحول يعكس حالة من الإحباط العميق تجاه السياسات الأمنية المتبعة، والتي يصفها المستوطنون هناك بأنها غير كافية لضمان عودتهم الآمنة إلى منازلهم.
ويبدو أن اتفاق وقف إطلاق النار الأخير الذي تم التوصل إليه مع لبنان لم ينجح في تهدئة مخاوف الناخبين في الشمال، بل زاد من حدة الانتقادات الموجهة للحكومة. فبالنسبة لهؤلاء، لا يمثل الاتفاق حلاً جذرياً للتهديد الذي يشكله حزب الله، بل يعتبرونه مجرد تأجيل لمواجهة يراها الكثيرون حتمية وضرورية لتفكيك قدرات الجماعة العسكرية.
وتشير الأرقام الصادرة عن الاستطلاع إلى أن 23% فقط من الناخبين في الشمال يعتزمون التصويت لليكود في الانتخابات المقبلة، وهي نسبة منخفضة جداً مقارنة بـ 35% حصل عليها الحزب في انتخابات 2022. هذا التراجع الحاد يضع نتنياهو في موقف محرج، خاصة وأن الشمال يمثل ثقلاً انتخابياً كبيراً ومؤشراً مهماً لتوجهات الرأي العام الإسرائيلي.
وفي مدينة كريات شمونة، التي كانت تعد معقلاً تقليدياً لليمين، يعبر السكان عن شعورهم بالخذلان من قبل القيادة السياسية. ويقول موشيه يفراح، أحد سكان المدينة إن الانفجارات لا تتوقف طوال الليل، معتبراً أن أي اتفاق لا يضمن تدمير قدرات حزب الله هو اتفاق هش ولن يحمي عائلته من التهديدات المستقبلية.
ويعتقد قطاع واسع من الناخبين في الشمال أن نتنياهو بات يرضخ بشكل متزايد للضغوط الخارجية، وتحديداً من قبل دونالد ترامب، لخفض التصعيد في المنطقة. هذا الشعور بالتبعية للإدارة الأمريكية يثير غضب القواعد اليمينية التي كانت تتوقع من الحكومة الحالية موقفاً أكثر استقلالية وحزماً في إدارة الصراع العسكري.
من جهة أخرى، يستغل الخصوم السياسيون لنتنياهو هذا الفراغ في الثقة لتعزيز حضورهم في الشمال، حيث كثف قادة المعارضة مثل غادي إيزنكوت من زياراتهم الميدانية. ويسعى هؤلاء المنافسون إلى تبني خطاب أكثر تشدداً، مطالبين بضرب حزب الله دون قيود، وهو ما يلقى صدى إيجابياً لدى السكان الذين يشعرون بالتهميش.
لا أخجل من القول إني صوتت لهذه الحكومة، لكن اتضح أن الرئيس ترامب هو من يديرها.
وتشير التقارير الميدانية إلى أن مدن الشمال تحولت إلى ما يشبه 'مدن الأشباح' نتيجة النزوح المستمر وإغلاق المصالح التجارية والمدارس. هذا الواقع المرير دفع السكان للمطالبة بحضور حكومي أكبر، حيث انتقد البعض غياب نتنياهو عن زيارة المنطقة والاطلاع على معاناة المستوطنين بشكل مباشر تحت القصف.
وأفادت مصادر بأن حالة عدم الرضا وصلت إلى مستويات قياسية، حيث أبدى 70% من المشاركين في الاستطلاع استياءهم من طريقة إدارة الحرب في لبنان. وتعتبر هذه النسبة هي الأعلى مقارنة بكافة المناطق الأخرى، مما يشير إلى وجود فجوة عميقة بين رؤية الحكومة المركزية واحتياجات السكان على خط المواجهة.
وفي سياق متصل، حذر محللون سياسيون من أن استمرار هذا التراجع قد يطيح بالائتلاف الحاكم في أي انتخابات مبكرة قد تجرى قبل موعدها في أكتوبر 2026. فالكتلة المناهضة لنتنياهو باتت تحظى بدعم ثلثي الناخبين في الشمال، وهو تحول جذري قد يغير الخارطة السياسية الإسرائيلية بشكل كامل في المرحلة المقبلة.
ورغم تصريحات نتنياهو بأن العمليات العسكرية ستستمر عند الضرورة حتى في ظل وقف إطلاق النار، إلا أن هذه الوعود لم تعد كافية لإقناع الشارع الشمالي. فالثقة في الوعود الحكومية تآكلت بفعل تكرار جولات التصعيد دون تحقيق نصر حاسم ينهي التهديد الصاروخي بشكل نهائي.
ويظهر الاستطلاع أيضاً أن الدعم للكتلة اليمينية الأوسع قد انخفض بشكل ملحوظ، مما يعني أن الأزمة لا تقتصر على حزب الليكود وحده بل تشمل كامل شركاء نتنياهو. هذا الانهيار في القواعد الشعبية يضع ضغوطاً هائلة على الوزراء اليمينيين المتطرفين الذين يطالبون بدورهم بتوسيع العمليات العسكرية لتجنب خسارة ناخبيهم.
وفي ظل هذه الأجواء، تبرز قضية الأمن القومي كمساومة سياسية في نظر المعارضة، التي تتهم نتنياهو بتقديم تنازلات دبلوماسية على حساب أمن المواطنين. وقد صرح غادي إيزنكوت بأن أيدي الجيش يجب ألا تكون مكبلة، في إشارة واضحة إلى القيود التي قد تفرضها الاتفاقات الدولية على حرية الحركة العسكرية.
ويبقى التساؤل القائم في الأوساط الإسرائيلية حول قدرة نتنياهو على استعادة ثقة الشمال قبل فوات الأوان. فبينما يحاول الموازنة بين الضغوط الدولية والاحتياجات الانتخابية، يبدو أن سكان الحدود قد حسموا خياراتهم بالبحث عن بدائل سياسية تعدهم بالأمن المفقود منذ اندلاع المواجهات.





شارك برأيك
أزمة ثقة في الشمال: تراجع حاد لشعبية نتنياهو ومطالب بضربات أقسى ضد لبنان