أقلام وأراء

الجمعة 29 مايو 2026 4:33 مساءً - بتوقيت القدس

بين وفرة الإنتاج السوري وأزمة الأضاحي المغاربية: مفارقات السياسات الزراعية

تطل علينا الأعياد في المنطقة العربية محملة بمشاعر متناقضة، حيث يحاول الكثيرون استجماع قواهم الروحية لتقديم الأضاحي، وسط محاولات لتجاوز آلام غزة والسودان وبقية البقاع المحترقة. ويرى مراقبون أن البعض يلجأ لتبرير الفرح كآلية دفاعية ضد تأنيب الضمير، معتبرين أن الحياة يجب أن تستمر، بينما يكتفي آخرون بالدعاء عبر منصات التواصل الاجتماعي كبديل عن الفعل الحقيقي.

في المقابل، تبرز أزمة اقتصادية واجتماعية خانقة في دول شمال أفريقيا، حيث تحولت الأضحية إلى حكر على طبقة ضيقة من المجتمع. وقد رصدت مصادر ميدانية عودة الكثير من المواطنين من الأسواق بمرارة، بعد أن عجزوا عن مجاراة الأسعار الجنونية للخراف التي فاقت قدراتهم الشرائية المحدودة.

ومن المفارقات المثيرة للدهشة، بروز أنباء مؤكدة عن قيام سوريا بتصدير فائض إنتاجها من الخراف إلى الجزائر ودول الخليج والعراق. وتثير هذه الخطوة تساؤلات عميقة حول كيفية استعادة دولة خرجت للتو من حرب أهلية مدمرة لعافيتها الزراعية، لتصبح مصدراً لبلدان مستقرة سياسياً ونفطياً مثل الجزائر وتونس.

لقد استطاع الفلاح السوري، رغم الظروف القاسية، ترميم قطيعه الحيواني في وقت قياسي، بل وحقق فائضاً دفع دولاً جارة مثل الأردن لفرض رسوم جمركية لحماية أسواقها. وتشير التقارير إلى احتمال تحقيق سوريا للاكتفاء الذاتي من القمح أيضاً بعد موسم مطير، مما يعكس إرادة صلبة في تجاوز تداعيات الحرب والدمار.

وعلى النقيض من ذلك، تعيش دول مثل تونس والجزائر والمغرب أزمة أضاحي حادة رغم أن السنة كانت مطيرة في شمال أفريقيا. ومن الناحية النظرية، كان من المفترض أن تؤدي وفرة الأمطار إلى انخفاض تكاليف الأعلاف وزيادة خصوبة القطيع، إلا أن الواقع جاء مخيباً للآمال نتيجة غياب السياسات الزراعية الناجعة.

في تونس، لا تزال النقاشات السياسية والنخبوية غارقة في قضايا بعيدة عن هموم المواطن اليومية واحتياجاته الأساسية. وبينما ينشغل البعض بمعارك أيديولوجية وتاريخية، يواجه الفلاح التونسي صعوبات جمة في توفير الأعلاف المدعومة، مما يضطره أحياناً لبيع نصف قطيعه ليتمكن من إطعام النصف الآخر.

السياسات الزراعية في تونس بقيت نشاطاً ثانوياً في اهتمامات الدولة، ولم تتطور لتواكب الاحتياجات المتزايدة للسوق المحلي. وقد عانى المربون بمفردهم من آثار الجفاف في السنوات الماضية دون دعم حقيقي، مما أدى إلى تراجع مستمر في أعداد الرؤوس المتاحة للذبح في المواسم الكبرى.

وفي الجارة الجزائر، بدأت ملامح تغيير استراتيجي تظهر من خلال مشاريع كبرى مثل استيراد ثلاثين ألف بقرة حلوب ضمن شراكة مع شركة 'بلدنا' القطرية. ويمثل هذا المشروع عبوراً نحو تطوير قطاع تربية الحيوان، وهو نموذج كان يمكن لتونس الاستفادة منه لو توفرت الإرادة السياسية والمناخ الاستثماري المناسب.

النخبة التونسية، بحسب التحليلات، تعاني من قدرة عالية على صرف الأنظار عن عجزها التنموي عبر اختلاق قضايا وهمية. وبدلاً من التركيز على 'نانوتكنولوجيا' الزراعة وتوفير اللحوم بأسعار معقولة، تستهلك هذه النخب جهدها في سجالات سياسية لا تسمن ولا تغني من جوع، مما يعمق الفجوة بينها وبين الشعب.

إن توفير الأضاحي وكسر أسعار اللحوم ليس أمراً مستحيلاً، بل يتطلب تحركاً حكومياً جاداً في سوق الأعلاف العالمية ومرافقة بيطرية مستمرة للفلاحين. لكن الخطاب السائد يبتعد عن قضايا التنمية الحقيقية، ويحبس نفسه في قوالب جاهزة تتهم الآخرين بالخيانة أو العمالة دون تقديم حلول عملية للأزمات المعيشية.

ورغم هذا القتامة، يبرز الفلاح التونسي كبطل مجهول استطاع في قطاعات أخرى مثل زيت الزيتون أن يفرض نفسه عالمياً. فقد تجاوز هذا الفلاح العقبات الرسمية، واعتمد على الطاقة الشمسية لاستخراج المياه، مما أعاد تونس إلى صدارة بورصة الزيت العالمية متفوقة على دول أوروبية عريقة.

هذا النموذج من 'الاعتماد على الذات' هو ما يعول عليه لتفجير ثورة في قطاع تربية الماشية مستقبلاً، بعيداً عن تخبط النخب. فالفلاح الذي أنقذ قطاع الزيتون قادر على ترميم قطاع الثروة الحيوانية، مدفوعاً بعبقرية المواجهة التي تشبه إلى حد كبير روح الصمود في غزة.

إن الحزن الذي يعيشه المواطن التونسي اليوم، سواء كان تعاطفاً مع المأساة الفلسطينية أو عجزاً عن توفير متطلبات العيد، هو حزن واحد نابع من الشعور بالاستلاب. لكن الأمل يبقى معقوداً على القوى الحية في المجتمع التي تعمل بصمت بعيداً عن ضجيج المعارك السياسية الزائفة.

في نهاية المطاف، يبقى الدرس السوري في استعادة الإنتاج الزراعي، والنجاح التونسي في قطاع الزيتون، مؤشرات على أن الحلول تكمن في العمل الميداني ودعم المنتج الصغير. إن تجاوز الأزمات الحيوية يتطلب نخبة تدرك أن رغيف الخبز وأضحية العيد هما جوهر السيادة والكرامة الوطنية.

دلالات

شارك برأيك

بين وفرة الإنتاج السوري وأزمة الأضاحي المغاربية: مفارقات السياسات الزراعية

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.