يُعتبر الراحل حسن الترابي (1932-2016) واحداً من أكثر الشخصيات إثارة للجدل في التاريخ العربي الحديث، حيث جمع بين التنظير الفكري والقيادة السياسية الفعلية. استطاع الترابي أن يقود واحدة من أكبر تجارب الحكم الإسلامي في المنطقة، محاولاً المزاوجة بين طروحاته التجديدية وبين مقتضيات الدولة الحديثة في السودان.
نشأ الترابي في بيئة دينية محافظة، حيث كان والده قاضياً شرعياً، وهو ما صقل ملكته القانونية قبل أن يتوجه للدراسة في باريس ولندن. بدأت رحلته السياسية مع جماعة الإخوان المسلمين، لكنه سرعان ما انفصل عنها ليؤسس كياناً خاصاً يعبر عن رؤيته المستقلة للعمل الإسلامي.
شكل عام 1977 محطة فارقة في مسيرة الترابي حين قرر التعاون مع نظام جعفر النميري، وهي الخطوة التي انقسم حولها المراقبون بين من رآها تنازلاً مبدئياً ومن اعتبرها واقعية سياسية. مكنت هذه المرحلة الترابي من التغلغل في مفاصل الدولة السودانية والتحضير لمشروعه المستقبلي الذي تبلور لاحقاً في نهاية الثمانينيات.
على الصعيد الفكري، قدم الترابي نفسه كمجدد للدين، داعياً في كتابه 'تجديد أصول الفقه' إلى كسر الجمود التقليدي والمذهبي. ركز في أطروحاته على مقاصد الشريعة والغايات الكبرى للإسلام، معتبراً إياها أهم من الوقوف عند ظواهر النصوص الجزئية التي قد لا تخدم المصلحة العامة في العصر الحديث.
أثارت اجتهادات الترابي في علوم السنة والحديث عواصف من النقد، خاصة مع دعوته لقراءة تاريخية ومقاصدية للنصوص النبوية. فقد فرق بين السنة التشريعية وغير التشريعية، وتوسع في استبعاد كثير من الأفعال النبوية من دائرة التشريع الملزم، مما وضعه في مواجهة مع المؤسسات الدينية التقليدية.
بلغت جرأة الترابي الفكرية مداها حين أعلن موقفه المتحفظ من 'أحاديث الآحاد' في العقائد، خاصة تلك المتعلقة بالمرأة. فقد أول أحاديث القوامة وأباح إمامة المرأة للصلاة، معتمداً على تغليب العقل والمقاصد الكلية، وهو ما اعتبره خصومه خروجاً عن الضوابط الأصولية المستقرة.
في الجانب السياسي، كان الترابي هو العقل المدبر وراء انقلاب عام 1989 الذي أوصل عمر البشير إلى سدة الحكم في السودان. ورغم بقائه خلف الستار في البداية، إلا أن نفوذه كرئيس للبرلمان وقائد فعلي للحركة الإسلامية أصبح واضحاً للعيان، مما مهد الطريق لصدام حتمي على السلطة.
إن الترابي غلّب المقاصد والعقل عند النظر إلى النصوص الحديثية، مما فتح الباب لتأويلات غير منضبطة في التعامل مع السنة النبوية.
شهد عام 1998 بداية النهاية للتحالف بين الترابي وتلاميذه، حين برزت 'مذكرة العشرة' التي انتقدت هيمنته المطلقة على القرار. أدت هذه المذكرة إلى ما عرف بـ 'عام المفاصلة' في 1999، حيث انقسم الإسلاميون السودانيون إلى معسكرين متناحرين يقودهما البشير والترابي.
اتهم الترابي رفاق دربه بـ 'ظمأ السلطة'، في حين رأى منتقدوه أن طموحه الشخصي ورغبته في الهيمنة هما ما أفسدا العلاقة مع الرئاسة. تشير بعض القراءات التاريخية إلى أن الترابي كان يطمح لمنصب رئاسة الجمهورية، مما جعل الصراع على الصلاحيات يأخذ طابعاً صفرياً دمر وحدة الحركة.
من القرارات الاستراتيجية التي تُحسب على حقبة الترابي، منحه الجنوبيين حق تقرير المصير، وهو ما مهد الطريق لاحقاً لانفصال الجنوب عام 2011. هذا الانفصال لم يكن خسارة جغرافية فحسب، بل شكل طعنة في خاصرة الوجود العربي في القارة الإفريقية، وأضعف الدولة السودانية اقتصادياً وسياسياً.
يرى محللون أن تجربة الترابي تعثرت بسبب غياب العمل العلمي الرصين الذي يسند دعوات التجديد الواسعة التي أطلقها. فقد ظلت طروحاته غامضة ومضطربة في كثير من الأحيان، وحاولت تطويع مقاصد الشريعة لتتماشى مع قيم الدولة الحديثة بأسلوب أدى إلى 'بناء دين مستحدث' في نظر معارضيه.
انتهى المطاف بالترابي إلى إعلان موقف متطرف حين قال إنه 'ليس سنياً ولا شيعياً بل مسلماً'، وهو ما اعتبر شطباً للتراث الحديثي بكامله. هذا الموقف الفكري المتأزم انعكس على الواقع السياسي، حيث تسببت صراعاته في إضعاف الدولة السودانية وفتح الباب أمام الانقلابات المتتالية.
تداعيات حقبة الترابي والبشير لا تزال تلقي بظلالها على السودان حتى اليوم، حيث أدى الفشل في إدارة التنوع والصراع على السلطة إلى تمزيق البلاد. فبعد انفصال الجنوب، يواجه السودان اليوم خطر التفتت إلى دويلات أصغر نتيجة الصراع المسلح بين الجيش وقوات الدعم السريع.
في الختام، تظل تجربة حسن الترابي درساً قاسياً في كيفية تحول الطموح الفكري والسياسي إلى أداة للهدم إذا لم يقترن بالانضباط المنهجي والواقعية الوطنية. لقد ترك الترابي وراءه إرثاً من التساؤلات أكثر من الإجابات، وسوداناً يعاني من ويلات الانقسام والحروب التي بدأت بذورها في سنوات حكمه.





شارك برأيك
قراءة في تعثر المشروع النهضوي: حسن الترابي بين التجديد الفقهي وإرث 'المفاصلة' السياسية