فلسطين

الثّلاثاء 26 مايو 2026 3:32 صباحًا - بتوقيت القدس

مأساة 'أم البنات' في غزة: بتر ساق السند الوحيد لثلاث كفيفات

لم تكن المسنة فريال منية، المعروفة بلقب 'أم البنات'، تدرك أن لحظات خشوعها في صلاة المغرب ستنتهي بكارثة تغير مجرى حياتها وحياة أسرتها للأبد. فبين سجدة وأخرى، انهمرت الصواريخ الإسرائيلية على المبنى السكني الذي تقطنه في مدينة غزة، لتستيقظ لاحقاً في مجمع الشفاء الطبي وتجد نفسها قد فقدت ساقها اليمنى.

ترقد المسنة البالغة من العمر 68 عاماً اليوم على سرير الشفاء، مثقلة بجراح جسدية عميقة، لكن الألم الأكبر يكمن في تفكيرها المستمر بمصير ثلاث من بناتها الكفيفات. هؤلاء الفتيات اللواتي ولدن فاقدات للبصر، كن يجدن في أمهن العين التي يبصرن بها واليد التي تعينهن على قضاء أبسط احتياجاتهن اليومية.

تتحدث فريال بصوت متهدج نتيجة الإصابات التي طالت وجهها، مستذكرة اللحظات الأخيرة قبل القصف حين عم الظلام فجأة وفقدت وعيها تحت الركام. وتقول إن همها الوحيد ليس بتر ساقها، بل كيف ستتمكن بناتها من مواجهة متطلبات الحياة الشاقة في ظل غياب من يرشدهن ويحميهن من التعثر.

ورغم هول المصاب، يلهج لسان 'أم البنات' بالشكر، مشيرة إلى أنها كانت تبذل قصارى جهدها لتكون سنداً لبناتها في الأعمال المنزلية التي يصعب عليهن القيام بها بمفردهن. والآن، تحولت المعادلة لتصبح الأم والبنات جميعاً في حالة احتياج ماس لمن يقدم لهن الرعاية والاهتمام في ظل ظروف الحرب القاسية.

وتكشف تفاصيل الحادثة أن القصف الذي استهدف المبنى السكني كان يلاحق القائد العام لكتائب القسام عز الدين الحداد، لكن شظاياه أصابت المدنيين بشكل مباشر. وقد تسبب الصاروخ الذي اخترق نافذة شقة عائلة منية في دمار هائل، محولاً أثاث المنزل إلى حطام ومخلفاً حفرة عميقة اخترقت الطوابق السفلية.

ويروي الزوج حمدي منية، الملقب بـ 'أبو البنات'، لحظات الرعب التي عاشتها العائلة، حيث كان القصف متتالياً ومرعباً لدرجة أن أحداً لم يعد يسمع صراخ الآخر. ويصف كيف بحث عن زوجته وسط الدخان والنار حتى وجدها غارقة في دمائها تحت ركام الخزانة التي انهارت فوق جسدها بفعل الانفجار.

وبحسب التقارير الطبية، فإن حالة فريال استدعت تدخلاً جراحياً عاجلاً لبتر الساق من فوق الركبة، بالإضافة إلى علاج تهشم واسع في عظام الوجه وإصابات في العين والأذن. كما تعاني المسنة من كسور في اليد اليسرى وجروح وتقرحات منتشرة في أنحاء جسدها، مما يتطلب رحلة علاج وتجميل طويلة الأمد.

ويؤكد الزوج أن زوجته كانت 'عماد البيت' والمحرك الأساسي لكل تفاصيل حياة بناتها الكفيفات، مؤكداً أن غيابها عن هذا الدور ترك فراغاً لا يمكن سده. ويضيف أن تقدمه في السن يجعله غير قادر على تولي مسؤولية رعاية الزوجة المصابة والبنات اللواتي يحتجن لمتابعة حثيثة على مدار الساعة.

وتعكس قصة عائلة منية مأساة أوسع يعيشها قطاع غزة، حيث تشير بيانات مصادر طبية إلى أن قرابة 5 آلاف فلسطيني فقدوا أطرافهم خلال الحرب المستمرة. وتضاف هذه الأعداد إلى نحو ألفي شخص آخرين كانوا قد فقدوا أطرافهم في اعتداءات سابقة، مما يضع عبئاً هائلاً على المنظومة الصحية المتهالكة.

تتمنى الأم المصابة أن تتعافى سريعاً وتعود إلى منزلها المتضرر، ليس من أجل نفسها، بل لتتمكن من إرشاد بناتها ولو بالكلمة على أداء مهامهن. فهي تدرك أن فقدانها للحركة سيعيق قدرتها على المساعدة الميدانية، لكنها تأمل أن تظل قريبة منهن لتمنحهن الأمان الذي سلبه القصف.

إن المعاناة التي تعيشها 'أم البنات' تختصر حجم الألم الذي خلفته الحرب المتواصلة على غزة، حيث لا تقتصر الجراح على الجسد بل تمتد لتضرب استقرار العائلات الضعيفة. وتتحول كل إصابة في غزة إلى حكاية لجوء ونزوح وفقدان للأمل في ظل استمرار الاستهداف المباشر للمنازل المأهولة بالسكان.

وفي مجمع الشفاء، تواصل فريال رحلة الصمود، محاطة بدعوات بناتها اللواتي ينتظرن عودتها بفارغ الصبر، رغم علمهن أن الحياة لن تعود كما كانت. وتبقى حكايتها صرخة في وجه الصمت الدولي تجاه آلاف المبتورين والجرحى الذين فقدوا مقومات حياتهم الأساسية في قطاع غزة المحاصر.

دلالات

شارك برأيك

مأساة 'أم البنات' في غزة: بتر ساق السند الوحيد لثلاث كفيفات

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.