تصاعدت حدة القلق داخل الأوساط السياسية والأمنية في تل أبيب جراء المؤشرات المتزايدة حول قرب توصل الولايات المتحدة وإيران إلى اتفاق شامل. ويسود شعور متنامٍ بأن مسار المفاوضات الجارية بات يتجاوز النفوذ الإسرائيلي التقليدي، مما يهدد بإعادة رسم خارطة التحالفات والجبهات المشتعلة في المنطقة دون مراعاة للمصالح الأمنية الإسرائيلية.
وأفادت مصادر صحفية بأن تأثير رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على قرارات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب قد شهد تراجعاً ملحوظاً في الآونة الأخيرة. وأشارت التقارير إلى أن إسرائيل خرجت تدريجياً من دائرة التأثير المباشر في ملف التفاوض مع طهران، بعد أن كانت لسنوات شريكاً أساسياً في صياغة السياسات الأمريكية تجاه الملف النووي الإيراني.
وكشفت مصادر إعلامية دولية، من بينها صحيفة نيويورك تايمز أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية باتت تضطر لمتابعة تفاصيل المفاوضات عبر قنوات خاصة وغير رسمية. ويعكس هذا التحول تراجع الحضور الإسرائيلي المباشر في إدارة هذا الملف الحساس، وهو ما تعتبره أوساط في تل أبيب تهميشاً متعمداً من قبل الإدارة الأمريكية الحالية.
وتتركز المخاوف الإسرائيلية حول بنود الاتفاق المحتمل التي قد تشمل وقفاً شاملاً للعمليات القتالية على مختلف الجبهات، بما في ذلك الجبهة الشمالية مع لبنان. وبحسب ما نقله موقع أكسيوس، فإن التفاهمات قد تتضمن هدنة تمتد لستين يوماً قابلة للتمديد، وهو ما يضع قيوداً زمنية وميدانية على التحركات العسكرية الإسرائيلية.
ورغم هذه التفاهمات المحتملة، تشير التقديرات العسكرية إلى أن الجيش الإسرائيلي يسعى للحفاظ على انتشاره في مناطق استراتيجية بجنوب لبنان وأجزاء من سوريا وقطاع غزة. ويهدف هذا التوجه إلى ضمان عدم فقدان المكتسبات الميدانية التي تحققت خلال أشهر القتال، تحسباً لأي انهيار مفاجئ في المسار الدبلوماسي.
إسرائيل أدركت أنها لا تستطيع مواجهة إيران وحدها أو تحقيق أهداف إستراتيجية كبرى مثل تدمير البرنامج النووي دون دعم أمريكي مباشر.
ويرى مراقبون للشأن الإسرائيلي أن الفجوة بين المصالح الأمريكية والرؤية الإسرائيلية بدأت تتسع بشكل واضح، حيث تتعامل واشنطن مع التطورات الإقليمية وفق حسابات جيوسياسية أوسع. ويبدو أن الإدارة الأمريكية باتت مقتنعة بأن التقديرات التي قدمها نتنياهو سابقاً بشأن إمكانية تقويض النظام الإيراني عسكرياً لم تكن دقيقة أو قابلة للتحقيق.
وفي ظل هذا الانسداد، يبرز قطاع غزة كساحة محتملة قد يلجأ إليها نتنياهو لإعادة التصعيد بهدف الهروب من الضغوط السياسية الداخلية. وتعتبر غزة في الحسابات الإسرائيلية الجبهة الأضعف والأقل تعقيداً مقارنة بالمواجهة المباشرة مع إيران أو حزب الله، رغم فشل الاحتلال في تحقيق أهدافه المعلنة هناك حتى الآن.
ويعتقد خبراء أن نتنياهو قد يحاول استغلال التصعيد في غزة كأداة للمناورة السياسية مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية في إسرائيل. ومع ذلك، يبقى أي تحرك عسكري واسع النطاق مرتبطاً بمدى الضوء الأخضر الذي قد تمنحه واشنطن، وهو أمر لم يعد مضموناً في ظل التوجه الأمريكي نحو التهدئة الشاملة.
أما فيما يخص خيار التحرك العسكري المنفرد ضد المنشآت النووية الإيرانية، فقد كشفت المواجهات الأخيرة حدود القدرة العسكرية الإسرائيلية المستقلة. وأدركت القيادة العسكرية في تل أبيب أن تدمير البرنامج النووي الإيراني يتطلب إمكانيات لوجستية وعسكرية لا تتوفر إلا بدعم مباشر وكامل من الولايات المتحدة.
ويمثل الاتفاق المحتمل أزمة مضاعفة للمؤسسة الأمنية الإسرائيلية، كونه لا يكتفي بتجاهل المطالب الإسرائيلية، بل قد يغلق الباب نهائياً أمام الخيار العسكري. وتخشى إسرائيل أن يؤدي هذا الاتفاق إلى شرعنة النفوذ الإيراني في المنطقة، مما يترك تل أبيب في مواجهة تحديات استراتيجية غير مسبوقة دون غطاء دولي كافٍ.





شارك برأيك
خيارات تل أبيب المحدودة: كيف يواجه نتنياهو احتمالات الاتفاق الأمريكي الإيراني؟