عربي ودولي

الأحد 24 مايو 2026 8:04 صباحًا - بتوقيت القدس

درع كوبا العتيق: هل تصمد منظومات 'إس-125' السوفيتية أمام التهديدات الأمريكية الحديثة؟

أعادت السلطات الكوبية مؤخراً نشر منظومات الدفاع الجوي السوفيتية من طراز 'إس-125 إم/إم1' في إطار مناورات عسكرية شاملة. تأتي هذه الخطوة في ظل تصاعد المخاوف داخل هافانا من تعرض الجزيرة لضربات عسكرية تقودها الولايات المتحدة الأمريكية، خاصة مع تزايد حدة الخطاب السياسي بين البلدين.

تزامن هذا التحرك العسكري مع اتهامات وجهتها واشنطن للزعيم الكوبي السابق راؤول كاسترو ومجموعة من كبار المسؤولين في الدولة. وترى الحكومة الكوبية أن هذه الاتهامات تمثل ذريعة أمريكية لتشديد الضغوط الاقتصادية والسياسية، وربما التمهيد لعمل عسكري مباشر ضد أهداف استراتيجية في البلاد.

في ظل تراجع جاهزية الأسطول الجوي الكوبي وتقادم مقاتلات 'ميغ-23'، باتت منظومات الدفاع الجوي الأرضية هي الركيزة الأساسية لحماية الأجواء. وتمثل منظومة 'إس-125' العمود الفقري لهذه الشبكة، رغم قدم تصميمها الذي يعود إلى حقبة الحرب الباردة في خمسينيات القرن الماضي.

صُممت منظومة 'إس-125'، المعروفة لدى حلف الناتو باسم 'SA-3 Goa'، لتوفير حماية ضد الأهداف التي تحلق على ارتفاعات منخفضة ومتوسطة. وقد دخلت الخدمة رسمياً في الاتحاد السوفيتي عام 1961، لتصبح منذ ذلك الحين واحدة من أكثر الأنظمة الدفاعية انتشاراً في العالم بفضل فاعليتها وتكلفتها المنخفضة.

تعتمد كوبا على هذه المنظومة بشكل مكثف مقارنة بدول أخرى فضلت الانتقال إلى أنظمة أحدث مثل 'إس-300'. ويرجع ذلك إلى قدرة المهندسين الكوبيين على إجراء تحديثات محلية للمنظومة، بالإضافة إلى توفر مخزون كبير من الصواريخ وقطع الغيار التي تعود للحقبة السوفيتية.

لتحسين فرص بقاء هذه المنظومات في ميدان المعركة، عمدت القوات الكوبية إلى إجراء تعديلات ميدانية مبتكرة. شملت هذه التعديلات تركيب منصات الإطلاق والرادارات على هياكل دبابات ومدرعات قديمة، مما يمنحها قدرة على الحركة السريعة وتجنب الضربات الاستباقية الأمريكية.

تعتمد النسخ الكوبية المطورة على صواريخ '5V27' التي تعمل بالوقود الصلب وتتميز بقدرة عالية على الاشتباك مع الأهداف المنخفضة. وتستطيع هذه الصواريخ ملاحقة أهداف تطير على ارتفاع 100 متر فقط، مما يجعلها خطيرة ضد المروحيات والطائرات التي تحاول التسلل تحت التغطية الرادارية.

تصل مواصفات المنظومة القتالية إلى مدى اشتباك يبلغ نحو 35 كيلومتراً، مع قدرة على تدمير أهداف بارتفاع يصل إلى 15 ألف متر. وتستخدم الصواريخ رؤوساً حربية شديدة الانفجار تزن حوالي 70 كيلوغراماً، تعتمد على نظام تفجير تقاربي ينشر سحابة من الشظايا القاتلة حول الهدف.

يحفل التاريخ القتالي لمنظومة 'إس-125' بمحطات بارزة، كان أهمها المشاركة في حرب أكتوبر 1973 ضد سلاح الجو الإسرائيلي. وقد أثبتت المنظومة قدرتها على التعامل مع الطائرات المقاتلة السريعة، مما عزز من سمعتها كأداة دفاعية فعالة في مواجهة القوى الجوية المتفوقة تكنولوجياً.

يبقى الإنجاز الأبرز للمنظومة هو نجاح الدفاعات الجوية الصربية في إسقاط طائرة الشبح الأمريكية 'F-117 نايت هوك' عام 1999. هذا الحادث التاريخي أثبت للعالم أن التكتيكات الذكية يمكن أن تمكن الأنظمة القديمة من تحييد أحدث الابتكارات التكنولوجية العسكرية الأمريكية في ذلك الوقت.

رغم هذا التاريخ، يرى خبراء عسكريون أن مواجهة سلاح الجو الأمريكي اليوم تختلف جذرياً عن تجارب التسعينيات. فالولايات المتحدة تمتلك الآن جيلاً جديداً من الطائرات الشبحية مثل 'F-35' و'F-22'، بالإضافة إلى قدرات هائلة في الحرب الإلكترونية والتشويش الرقمي المتقدم.

تتمثل نقاط الضعف الرئيسية في 'إس-125' في محدودية قدرتها على رصد الأهداف ذات البصمة الرادارية المنخفضة جداً. كما أن راداراتها القديمة نسبياً قد تكون عرضة للتعطيل بواسطة طائرات الحرب الإلكترونية، فضلاً عن مداها القصير الذي يجعلها هدفاً سهلاً للذخائر الدقيقة بعيدة المدى.

تشير تقارير استخباراتية من عام 2025 إلى أن كوبا بدأت برنامجاً طموحاً لتحديث هذه المنظومات تحت مسمى 'بيتشورا-2 بي إم'. ويتضمن البرنامج رقمنة أنظمة التحكم وتحسين قدرات تتبع الأهداف، مع احتمالية وجود دعم تقني سري من كوريا الشمالية التي تمتلك خبرة واسعة في هذا المجال.

في الختام، تظل 'إس-125' خيار كوبا الأخير لرفع تكلفة أي عدوان محتمل وتعقيد العمليات الجوية المعادية. ورغم أنها قد لا تمنع هجوماً أمريكياً شاملاً، إلا أن وجودها يفرض على المخططين العسكريين في واشنطن الحذر الشديد من مفاجآت قد تعيد سيناريو إسقاط الشبح فوق البلقان.

دلالات

شارك برأيك

درع كوبا العتيق: هل تصمد منظومات 'إس-125' السوفيتية أمام التهديدات الأمريكية الحديثة؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.