شهدت الساحة السياسية والدينية في الولايات المتحدة أزمة متصاعدة بين التيارات اليهودية الإصلاحية والأرثوذكسية، تداخلت فيها أطراف حكومية إسرائيلية رسمية. وقد صبت هذه التوترات مزيداً من الزيت على نار الانتقادات الداخلية الموجهة لسياسات الاحتلال، خاصة مع تزايد الفجوة بين مصالح واشنطن وتوجهات الحكومة اليمينية في تل أبيب.
بدأت شرارة الأزمة عقب تصريحات أدلت بها وزيرة المساواة الاجتماعية والنهوض بالمرأة، ماي غولان، هاجمت فيها الحاخام الإصلاحي جلعاد كاريف والطائفة الإصلاحية في أمريكا. واتهمت غولان التيار الإصلاحي بممارسة طقوس وصفتها بالمسيئة مثل 'تزويج الكلاب داخل المعابد'، وهو ما أثار موجة غضب عارمة في صفوف الجالية اليهودية الأمريكية.
تعتبر الحيوانات، وخاصة الكلاب، كائنات غير طاهرة وفق المنظور الأرثوذكسي المتشدد، ويُحظر دخولها إلى أماكن العبادة بشكل قطعي. في المقابل، يتبنى التيار الإصلاحي فتاوى أكثر مرونة تجيز اصطحاب الحيوانات الأليفة، وهو ما استغلته غولان لشن هجومها الذي اعتبره كثيرون محاولة لتشويه أكبر طائفة يهودية في الولايات المتحدة.
وفي محاولة لاحتواء التداعيات الدبلوماسية، أصدر يحيئيل ليتر، سفير الاحتلال في واشنطن والمقرب من بنيامين نتنياهو، بياناً رسمياً شديد اللهجة. ووصف ليتر تصريحات الوزيرة بأنها 'مقززة وتستحق الازدراء'، مؤكداً أن مثل هذه اللغة تضر بالعلاقات الاستراتيجية مع الجالية اليهودية العالمية.
وشدد السفير ليتر في بيانه على أن تصريحات غولان تجاوزت الخطوط الحمراء التي تفصل بين النقاش الموضوعي والكراهية الشعبوية. وأعلن السفير عزمه لقاء قادة الحركة الإصلاحية في وقت قريب لتقديم اعتذار رسمي نيابة عن دولة الاحتلال، في خطوة تعكس حجم القلق من خسارة دعم هذا التيار الواسع.
من جانبها، لم تتراجع الوزيرة غولان عن موقفها، بل شنت هجوماً مضاداً على السفير، معربة عن استغرابها من تخصيصه وقتاً للرد على كلامها واقتطاعه من سياقه. واعتبرت غولان أن جهودها تتركز على حشد الجاليات لصالح الأمن الإسرائيلي، وإصلاح ما وصفته بالضرر الذي يلحقه بعض الإسرائيليين بالدولة.
وتكشف التقارير الإحصائية عن هوة عميقة في تركيبة المجتمع اليهودي بين أمريكا وإسرائيل؛ حيث يمثل الإصلاحيون 37% من يهود الولايات المتحدة. وفي المقابل، لا تتجاوز نسبة الأرثوذكس، الذين يهيمنون على المؤسسات الدينية في إسرائيل، حاجز الـ 9% فقط داخل المجتمع الأمريكي، مما يخلق تضارباً في الرؤى الدينية والسياسية.
بصفتي يهودياً أرثوذكسياً وممثلاً لإسرائيل، أجد كلمات الوزيرة مقززة وتستحق الازدراء والإدانة والتوبيخ.
الأزمة لم تقتصر على تصريحات غولان، بل امتدت لتشمل السفير ليتر نفسه، الذي واجه ضغوطاً من أكثر من 500 حاخام وقائد يهودي. وطالب الموقعون السفير بالاعتذار عن تصريحات سابقة وصف فيها جماعة الضغط 'جيه ستريت' بأنها 'سرطان'، وذلك بسبب معارضتها لتقديم مساعدات عسكرية غير مشروطة للاحتلال.
وضمت قائمة الموقعين على الرسالة الاحتجاجية شخصيات بارزة في الحزب الديمقراطي، من بينهم عضو الكونغرس جيرولد نادلر. كما شارك في التوقيع سفراء أمريكيون سابقون لدى تل أبيب، مثل دانيال كريتزر وتوم نايدز، مما يعكس اتساع رقعة الاستياء داخل النخبة السياسية اليهودية في واشنطن.
واتهم المحتجون السفير باستخدام لغة 'تنتقص من إنسانية اليهود' وتؤدي إلى تعميق الانقسامات في وقت حساس تمر به المنطقة. وأكدت الرسالة أن القادة على جانبي المحيط الأطلسي يتحملون مسؤولية أخلاقية لإخماد نيران التوتر بدلاً من تأجيجها عبر خطابات إقصائية.
وتشير مصادر مطلعة إلى أن التيار الإصلاحي يمثل رصيداً استراتيجياً لا يمكن الاستغناء عنه في الضغط السياسي داخل أروقة واشنطن. ومع ذلك، يرى اليمين الإسرائيلي في هذا التيار 'أقلية هامشية' لا تعبر عن الهوية اليهودية الحقيقية التي يمثلها الأرثوذكس في الداخل الإسرائيلي.
هذا الصدام يعكس أزمة هوية أوسع داخل 'اليهودية العالمية'، حيث تتصادم المصالح المحلية لليهود الأمريكيين مع الأجندات السياسية لليمين المتطرف في إسرائيل. ويحذر محللون من أن استمرار هذا الخطاب قد يؤدي إلى قطيعة تاريخية بين تل أبيب وأكبر خزان دعم مالي وسياسي لها في العالم.
إن تعزيز الروابط بين إسرائيل واليهود في الشتات بات يواجه تحديات غير مسبوقة بسبب اختلاف أنماط الحياة والتوجهات الأيديولوجية. فبينما تسعى الحكومة الإسرائيلية لفرض رؤية دينية موحدة، يتمسك يهود أمريكا بتعدديتهم التي تمنحهم نفوذاً في المجتمع الأمريكي المتنوع.
في نهاية المطاف، تظل أزمة 'تزويج الكلاب' مجرد عرض لمرض أعمق يتمثل في تآكل الإجماع اليهودي حول سياسات الاحتلال. وتثبت هذه الواقعة أن الصراعات الداخلية قد تشكل خطراً على 'الأمن القومي' الإسرائيلي يوازي المخاطر الخارجية، نظراً لارتباطها المباشر بالدعم الأمريكي الحيوي.





شارك برأيك
أزمة 'تزويج الكلاب' تفجر صراعاً بين وزيرة إسرائيلية واليهود الإصلاحيين في أمريكا