تحل ذكرى وفاة العلامة الشيخ البشير الإبراهيمي لتعيد إلى الواجهة سيرة واحد من أبرز أعمدة النهضة الفكرية والإصلاحية في الجزائر والعالم العربي. لقد كان الإبراهيمي يؤمن بأن الكلمة ليست مجرد ترف فكري، بل هي مسؤولية تاريخية وأخلاقية جسيمة تقع على عاتق المثقف والإعلامي في مواجهة الانحراف والتضليل.
ولد محمد البشير الإبراهيمي في صيف عام 1889 بمنطقة رأس الواد الجزائرية، حيث نشأ في بيئة علمية تحت إشراف والده وعمه. انطلق في رحلة طلب العلم مبكراً، فشد الرحال إلى الحجاز عام 1911 ليتعمق في علوم اللغة والفقه بالمدينة المنورة، قبل أن ينتقل إلى دمشق لنهل العلم من كبار علمائها.
عاد الإبراهيمي إلى وطنه الجزائر محملاً برؤية إصلاحية شاملة، حيث التقى برفيق دربه الشيخ عبد الحميد بن باديس. أثمر هذا التعاون عن تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين عام 1931، وهي المؤسسة التي قادت معركة الحفاظ على الهوية العربية والإسلامية للجزائر في وجه محاولات الطمس الاستعمارية.
لم يكن نشاط الإبراهيمي بعيداً عن ملاحقة السلطات الاستعمارية الفرنسية، التي رأت في دروسه وخطبه خطراً داهماً. تعرض للاعتقال والنفي في مناطق عدة، منها مدينة أفلو، لكن ذلك لم يثنه عن مواصلة مسيرته، خاصة بعد توليه رئاسة الجمعية عقب رحيل ابن باديس في ظروف قاسية.
كانت مواقف الإبراهيمي السياسية حاسمة، حيث ندد بشدة بمجازر 8 مايو 1945 التي ارتكبها الاحتلال الفرنسي ضد الجزائريين. دفع ثمن مواقفه بالسجن مجدداً، لكنه ظل صامداً في مشروعه الدعوي والفكري الذي ربط فيه بين التحرر العقلي والتحرر الوطني من نير الاستعمار.
في مطلع الخمسينيات، انتقل الإبراهيمي إلى القاهرة ليكون صوتاً للجزائر في قلب العالم العربي، ومن هناك أصدر بيان الجمعية الشهير الداعم للثورة التحريرية الكبرى. استمر في نضاله السياسي والإعلامي من المنفى حتى شهد استقلال بلاده، ليرحل عن عالمنا في مايو 1965 تاركاً إرثاً فكرياً لا ينضب.
تتجلى عبقرية الإبراهيمي في مقولته الخالدة التي اعتبر فيها بيع القلم واللسان أقبح من خيانة الجندي لسلاحه في ميدان المعركة. هذه العبارة تختصر فلسفة كاملة ترى في الصحفي والمثقف حارساً لوعي الأمة، تماماً كما يحرس الجندي حدود الوطن من الاختراق والعدوان.
إنّ بيع القلم واللسان أقبحُ من بيع الجندي لسلاحه.
إن خيانة القلم في فكر الإبراهيمي تؤدي إلى إرباك الأمة بأكملها وتزييف وعيها الجمعي، وهو ما يبدو راهناً جداً في ظل التحديات التي تواجه الإعلام العربي اليوم. فالضغوط السياسية والتمويل المشروط ومنطق 'الترند' باتت تهدد جوهر الرسالة الإعلامية وتحولها إلى أداة لخدمة المصالح الضيقة.
يظهر 'بيع القلم' في العصر الحديث بصور معقدة، لا تقتصر على الكذب المباشر، بل تمتد إلى انتقاء الحقائق أو الصمت المريب تجاه القضايا المصيرية. هذا النوع من التواطؤ الإعلامي يساهم في تغييب الحقيقة وتوجيه الرأي العام نحو روايات مصطنعة تخدم القوى المهيمنة بعيداً عن الواقع.
تبرز غزة اليوم كأكبر اختبار لضمير الصحافة العالمية، حيث تحولت الكلمات هناك إلى شهادات حية على الموت والدمار. في غزة، لم يعد الصحفي مجرد ناقل للحدث، بل أصبح هدفاً مباشراً للاحتلال الذي يسعى لإسكات صوت الحقيقة ومنع وصول الصورة إلى العالم.
لقد قدم الصحفيون الفلسطينيون تضحيات جسيمة، حيث استشهد العشرات منهم وهم يرتدون سترات الصحافة، واستهدفت منازلهم وعائلاتهم بشكل ممنهج. هؤلاء يجسدون رؤية الإبراهيمي في أسمى صورها، حيث يواصلون العمل تحت القصف والجوع لتوثيق المجازر وحماية الذاكرة الوطنية من المحو.
في المقابل، تظهر سرديات إعلامية دولية تحاول تبرير الجرائم أو فصلها عن سياقها الإنساني، مما يعكس الهوة بين إعلام الموقف وإعلام المصالح. إن معركة الصحفي المعاصر لم تعد تقتصر على مواجهة الرقابة التقليدية، بل أصبحت معركة ضد احتمالات السقوط في فخ التواطؤ مع الجلاد.
إن استحضار فكر البشير الإبراهيمي في هذا التوقيت ليس مجرد احتفاء بذكرى تاريخية، بل هو استعادة لضرورة الموقف الأخلاقي في العمل الصحفي. فالصحافة في جوهرها هي مسؤولية تجاه الضحايا والتاريخ، وليست مجرد صناعة محتوى يهدف إلى تحقيق الانتشار أو التقرب من دوائر النفوذ.
يبقى سؤال الإبراهيمي مفتوحاً أمام كل صاحب قلم في زمن الأزمات الكبرى: هل الكتابة هي وسيلة لقول الحقيقة مهما كان ثمنها؟ أم أنها مجرد تذكرة عبور لمنظومات القوة؟ إن الإجابة على هذا السؤال هي ما يحدد القيمة الحقيقية للكلمة ومعنى الانتماء لمهنة المتاعب في عالم مضطرب.





شارك برأيك
في ذكرى رحيله.. كيف جسد البشير الإبراهيمي مفهوم 'مقاومة الكلمة' من الجزائر إلى غزة؟