عربي ودولي

الثّلاثاء 19 مايو 2026 1:07 مساءً - بتوقيت القدس

انهيار منظومة الإغاثة في الصومال: الجوع يهدد الملايين وسط تراجع التمويل الدولي

يواجه الصومال تدهوراً حاداً في الأوضاع الإنسانية، حيث تتقاطع آثار الجفاف الشديد مع تراجع الدعم الدولي وارتفاع جنوني في أسعار المواد الأساسية. وأفادت مصادر بأن رقعة الجوع اتسعت بشكل مخيف في مناطق واسعة، مما أدى إلى انهيار الخدمات الأساسية وتهديد حياة ملايين السكان، لا سيما الأطفال والنازحين الذين فقدوا مصادر رزقهم الوحيدة.

وسلطت تقارير ميدانية الضوء على معاناة آلاف العائلات التي تضطر للسير مئات الأميال بحثاً عن الغذاء والماء، مثل عائلة عبد الله عبدي التي قطعت مسافة 140 ميلاً سيراً على الأقدام للوصول إلى مدينة دولو الحدودية. هذه الرحلات الشاقة تعكس حجم اليأس الذي أصاب السكان بعد نفوق ماشيتهم وتحول أراضيهم إلى مساحات قاحلة بلا موارد.

وعند وصول النازحين إلى مراكز الإغاثة، يصطدمون بواقع مرير يتمثل في انسحاب المنظمات الدولية أو تقليص خدماتها بشكل حاد نتيجة نقص التمويل. وأكدت مصادر أن مدينة دولو، التي كانت ملاذاً لأكثر من مئة ألف نازح، باتت تعاني من خلو العيادات الصحية من الأدوية وتوقف المنح النقدية المخصصة لشراء الغذاء.

ويعود السبب الرئيسي لهذا الانهيار الإغاثي إلى قرارات سياسية دولية، أبرزها حل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID)، مما أفقد الصومال مصدره الأساسي للمساعدات. كما خفضت دول كبرى مثل بريطانيا وألمانيا تمويلاتها الإنسانية، مما أجبر المنظمات على إعادة توزيع مواردها المحدودة جداً بعيداً عن المناطق الأكثر احتياجاً.

وزاد اندلاع صراع عسكري في منطقة الشرق الأوسط من تعقيد المشهد، حيث أدى إغلاق مضيق هرمز إلى تعطيل شحنات النفط والأسمدة والسلع الأساسية. هذا الاضطراب في سلاسل الإمداد تسبب في ارتفاع تكاليف النقل بشكل مباشر، مما انعكس على أسعار الغذاء في بلد يعتمد على الاستيراد لتغطية 70% من احتياجاته.

وفي ظل هذه الظروف، تضاعفت أسعار الأرز ودقيق القمح، مما جعل الحصول على وجبة يومية واحدة حلماً بعيد المنال للكثير من الأسر الصومالية. ويعبر المواطنون عن ألمهم العميق وهم يشاهدون أطفالهم يعانون من الجوع الشديد، بينما تكتفي العائلات بتناول أعشاب برية تُجمع من ضفاف الأنهار لسد الرمق.

وحذر برنامج الأغذية العالمي من أن استمرار الأعمال العدائية في المنطقة قد يرفع عدد الأشخاص الذين يعانون من الجوع الحاد عالمياً إلى 363 مليون شخص. ويشير الخبراء إلى أن الاستجابة الدولية الحالية لا تقارن بما حدث خلال أزمات سابقة، حيث انخفض إجمالي التمويل الإنساني العالمي بشكل ملحوظ خلال العام الأخير.

وتشير الإحصائيات الأممية إلى أن نحو 6.5 مليون شخص في الصومال، أي ما يعادل ثلث السكان، يعانون حالياً من مستويات جوع تصنف كحالة طوارئ. ومن بين هؤلاء، يوجد أكثر من 1.8 مليون طفل دون سن الخامسة يعانون من سوء تغذية حاد، وهي أرقام مرشحة للارتفاع في ظل غياب التدخل الدولي العاجل.

ويعاني برنامج الأغذية العالمي، المزود الأكبر للمساعدات في البلاد، من فجوة تمويلية هائلة تمنعه من دعم أكثر من 300 ألف شخص شهرياً. هذا الرقم يمثل تراجعاً كبيراً مقارنة بمليوني شخص كان يتم دعمهم في أوائل عام 2025، مما يضع المنظمات أمام خيارات أخلاقية قاسية وصعبة.

ووصف مسؤولون إغاثيون الوضع الحالي بأنه "تسلسل هرمي للمعاناة"، حيث تضطر المنظمات للتركيز فقط على الحالات التي باتت على حافة الموت. وفي بعض المخيمات، يتم اتخاذ قرارات مؤلمة بتقديم الغذاء للأطفال وحرمان الأمهات الحوامل منه، في محاولة يائسة لإنقاذ من يمكن إنقاذه.

ولم تقتصر الأزمة على نقص الغذاء، بل امتدت لتشمل قطاع النقل والخدمات اللوجستية، حيث تأخرت شحنات إغاثية حيوية لمدة 40 يوماً بسبب ازدحام الموانئ البديلة. هذا التأخير حرم مئات الآلاف من النساء والأطفال من إمدادات غذائية وطبية كانت كفيلة بإنقاذ حياتهم من خطر الموت جوعاً.

وفي السودان المجاور، لا يبدو الوضع أفضل حالاً، حيث يعاني نحو 41% من السكان من انعدام الأمن الغذائي الحاد وسط صعوبات بالغة في إيصال المساعدات. وتواجه منظمات مثل اليونيسف تحديات هائلة في نقل الإغاثة نتيجة نقص الوقود وامتناع شركات الشحن عن العمل في مناطق النزاع المسلح.

وتشير البيانات المالية إلى تراجع حاد في المساهمة الأمريكية للصومال، حيث انخفضت من مئات الملايين إلى بضعة ملايين فقط خلال الأشهر الأخيرة. هذا التراجع الحاد وضع ضغوطاً سياسية ومالية على دول أخرى، مما أدى إلى تقليص العمليات الإنسانية في 21 مقاطعة فقط من أصل 90 مقاطعة محتاجة.

ختاماً، يمثل ما يحدث في الصومال انهياراً شاملاً لمنظومة الإغاثة العالمية التي لم تعد قادرة على مواجهة الأزمات المتداخلة. إن تداخل آثار التغير المناخي مع الصراعات السياسية والعسكرية الدولية يضع ملايين البشر في مواجهة مباشرة مع الموت، في ظل صمت دولي وتراجع غير مسبوق في قيم التضامن الإنساني.

دلالات

شارك برأيك

انهيار منظومة الإغاثة في الصومال: الجوع يهدد الملايين وسط تراجع التمويل الدولي

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.