تخضع حركة التاريخ لقوانين صارمة تربط النتائج بالمقدمات، حيث لا يذهب فعل سُدى في مسار التطور الحضاري. ورغم أن المخرجات التاريخية قد تبدو أحياناً مناقضة للمقدمات الأخلاقية، إلا أنها في جوهرها تمثل استجابة طبيعية لتراكمات القوة والضعف في المنظومات الدولية.
إن التفوق الحقيقي لأي حضارة لا يمكن اختزاله في التفوق المادي المتمثل في التكنولوجيا والاقتصاد العسكري فحسب. بل يتطلب الأمر وجود ركيزة أخلاقية صلبة تحفظ الجوهر الإنساني، وهو الاختبار الذي بدأت الولايات المتحدة تخفق فيه بشكل متزايد منذ عقود.
لعقود طويلة، نجحت واشنطن في تسويق نفسها كراعية للديمقراطية وحقوق الإنسان في وجدان شعوب العالم الثالث. وقد تعززت هذه الصورة خلال مواجهة 'الشيوعية الكافرة' في أفغانستان، حيث استثمرت المخابرات الأمريكية العاطفة الدينية لتحقيق مكاسب جيوسياسية.
مثل انسحاب الاتحاد السوفيتي من أفغانستان في فبراير 1989 لحظة فارقة، حيث اعتبرها المسلمون انتصاراً إيمانياً، بينما رآها العقل الاستراتيجي الأمريكي انتصاراً للفلسفة الليبرالية. هذا التحول مهد الطريق لولادة مشروع 'الأمركة' وهيمنة القطب الواحد على مقدرات العالم.
مع تفكك الاتحاد السوفيتي عام 1991، بدأت ملامح الغرور الأمريكي تظهر بوضوح في التعامل مع القضايا الدولية. ورفعت واشنطن شعار 'من ليس معنا فهو ضدنا'، مما أدى إلى تدخلات عسكرية مباشرة بدأت بحرب العراق الأولى وصولاً إلى احتلال أفغانستان والعراق.
شكلت أحداث 11 سبتمبر 2001 ذريعة للإدارة الأمريكية لممارسة دور 'شرطي العالم' بأسلوب فج. وقد تجلى ذلك في الانتهاكات الصارخة التي شهدتها معتقلات غوانتانامو وأبو غريب، والتي استهدفت كسر إرادة الإنسان العربي والمسلم وإهانة كرامته.
جاء عهد دونالد ترامب ليمثل ذروة هذا المسار من الغطرسة والاستعلاء في السياسة الخارجية الأمريكية. حيث نزع ترامب الستائر الدبلوماسية المتبقية، مقدماً الولايات المتحدة كقوة تقودها الغريزة والمصالح المادية البحتة بعيداً عن أي التزامات دولية.
إن التفوق الحضاري لا يتحقق فقط بالقوة المادية، بل يحتاج إلى قوة أخلاقية تحقق الجوهر الإنساني، وهو ما تفتقده الرأسمالية اليوم.
مارس ترامب سياسة 'الجباية' والتهديد برفع الحماية عن الأنظمة الحليفة، وبلغت به الغطرسة حد التدخل في سيادة دول مستقلة. إن هذا السلوك يعكس حالة من 'البطش المطلق' التي تتنكر لكل قيم الحداثة والمدنية التي ادعت أمريكا حمايتها لسنوات.
لقد كشفت أحداث 'طوفان الأقصى' في أكتوبر 2023 ما تبقى من 'أوراق التوت' التي كانت تغطي السياسة الأمريكية. فما شهدته غزة من فظائع لم يكن مجرد صراع جغرافي، بل كان اختباراً سقط فيه الضمير العالمي والمنظومة الأخلاقية الغربية.
إن الجرائم المرتكبة في غزة، والتي نُقلت بالصوت والصورة، تجاوزت في بشاعتها كل ما عرفه العقل البشري الحديث. هذه اللحظة التاريخية وفرت على فلاسفة القيم جهداً كبيراً في كشف زيف النظام الرأسمالي أمام أحرار العالم وحتى أمام الأمريكيين أنفسهم.
عندما تستنفد أي حضارة أهدافها الروحية والإنسانية، تبدأ في التراجع واستهلاك ذاتها من الداخل. ويبدو أن الرأسمالية الأمريكية قد وصلت إلى طريق مسدود بسبب قصور فلسفتها عن استيعاب حقيقة الإنسان ككيان يجمع بين المادة والروح.
إن المعركة الدائرة اليوم في المنطقة ليست مجرد مواجهة عسكرية بين محاور سياسية متصارعة. بل هي معركة وجودية تدور في أعماق 'الإنسان الكوني' الذي يبحث عن التحرر من قيود الهيمنة المادية والظلم التاريخي.
ثمة حتمية تاريخية تشير إلى أن ذروة البطش هي دائماً اللحظة التي يسبقها انفجار الوعي الإنساني. وهذا الوعي، الذي يتشكل الآن تحت وطأة المعاناة، هو الكفيل بإعادة صياغة موازين القوى لصالح الشعوب التواقة للحرية.
في نهاية المطاف، الزمن لا يعمل لصالح المشاريع الاستعمارية البالية التي تعتمد على القوة الغاشمة وحدها. بل إن حظوظ انتصار 'الإنسان' تزداد كلما طال أمد المواجهة، لأن أشواق التحرر هي المحرك الحقيقي للتاريخ البشري.





شارك برأيك
ترامب ومآلات الهيمنة: صعود 'البطش المطلق' وانفجار الوعي الإنساني