بعد 78 عاما على النكبة الأولى، وتناقلها جيلاً بعد جيل، من ذاكرة الأجداد الشفوية إلى الآباء والأحفاد، تُسهل إسرائيل ومشروعها الاستعماري شرح النكبة الفلسطينية المدونة في كتب المؤرخين والباحثين، وكيف يؤول حال اللاجئين وسكان البلاد في شتاتهم داخل مجتمعهم. ملايين الكلمات ومثلها مؤلفات ضخمة قضى البعض باحثاً ومدوناً وروائيا ومحللاً لواقع الفلسطينيين في الداخل وفي الشتات، يعيد المشروع الصهيوني تفاصيل مماثلة، ومحملة بقسوة وحشية تشرح لأجيال عربية وغربية، جوهر النكبة وكيفية قيام مشروع استعماري على أنقاض مجتمعات دمرها وقتل سكانها وهجرهم وسطا على ممتلكاتهم، وما بقي منها يتعرض لإبادة جماعية تكمل الفصل الأول الذي أسسته عصابات البلماخ وشتيرن والهاغاناه وتسيحي، التي أصبحت عماد دولة اسرائيل اليوم، وفرخت تلاميذ نجباء مثل بن غفير وبتسلئيل سموتريتش وعميحاي الياهو وبقية القافلة الفاشية.
وما يميز ذكرى النكبة وهي تقترب من إكمال عقدها الثامن، أنها تأتي في ظل استغراق البعض في حلم عميق سرعان ما استفاق منه "أهل النكبة" في مخيمات غزة وجنين ونابلس وطولكرم، وباقي مخيمات الشتات الفلسطينني، وقد سرت في عروقهم رعشات من ألمٍ مفزع، وموت ودمار، ملحقان بهزيمة ذليلة، يقارن صاحب النكبة الذي انتقلت إلى مسامعه ووعيه، معاني اللجوء والتشرد في الذاكرة، مع وحشية الواقع المليئة بالأسى، وهو يفتش في حنايا ذاته عن نقيض المعاني التي جُلد بها جسده المتعب وذاكرته المتقدة بالحسرات والآلام، فآبائه وأجداده الذين أوكلوا له وعياً ظنه ذات يوم انه مكللا بتاج الوعي الجمعي للشعب الفلسطيني سيقهر قلاع الصهيونية، يعيد الكرة صباح مساء، في لحظة صدامه مع فاشية تلاحقه في يقظته وأحلامه لسحقه.
فهنا، لا تستقيم المعاني كلها عند المنكوبين في أرضهم ولجوئهم، وهم يكتوون اليوم بفظاعة أخرى من نكبة غير شفوية ولا مقروءة، وقد تلقفتهم دوائر الموت والحصار والتشريد ليصير كل ما حولهم، وفوقهم وتحتهم خراب في خراب.
الكتب والجثث والذكريات دُفنت تحت الركام في غزة، وجنين وطولكرم ونابلس، كواشين الأرض مزقتها قذائف الدبابات والطائرات، ومفاتيح الديار في عسقلان والرملة ويافا وحيفا وبلد الشيخ، وعكا وترشيحا وبئر السبع، صهرتها حمم نار الغاصب، صور الأطفال ورسائل الأحبة والحبيبات الزوجات والأمهات والأخوات، محتها حرائق جريمة الإبادة الجماعية في زواريب المخيمات من غزة إلى لبنان مروراً بنابلس واليرموك وجنين وعين الحلوة والبص والرشيدية، وما بقي تحت أنقاض المنازل رجال غسان كنفاني تحت الشمس الملتهبة، وقد تحولوا جثثا متفسخة، لكن خارج حيز المخيم يحفظ المنكوبون جيداً شخصية " أبو الخيزران "، ووظيفته القديمة المتطورة في سمسرته المعهودة في قوادة القضية، ليغدو إرث وميراث المنكوبين الأدبي والثقافي والاجتماعي والسياسي أطلالاً عند تخوم غزة وجنين ونابلس وطولكرم و بقية مخيمات الأخرى.
لم تعد حاجة المنكوبين ضرورية لكتب التحليل الماركسي والديالكتيك، ولا لرأس المال والطبقة العاملة ولا (ما العمل)، ولا لنيقولاي استروفسكي (في كيف سقينا الفولاذ) للإعجاب بشخصية بافل كورتشاجين, واقع الجرائم الاسرائيلية يكثف كل شيء، وقراءة العقل الصهيوني يرويها على مسامعنا بالتتابع طابور طويل من المعتوهين المرضى بأساطير تلمودية وتوراتية، وفرصة الطابور العربي الذي يحمل ضمانة ما بعد النكبة، يشرح خلفية التآمر على النكبة الأولى و والهزائم المرتبطة بها، بحيث أفصحت نكبة الضفة وغزة والقدس ومخيماتها مع الشتات، تكثيف صريح لضمان المعاناة الحقيقية للاجئ، وكل ما ذكرته كتب المؤرخين عن النكبة الأولى، ما هو إلا نزهة في رحلة التآمر على الفلسطيني، ومسلسل القتل والتهجير للفلسطيني والاستيطان والتهويد لم يكن سوى فواصل تعتاش عليها موائد نفاق عربي وغربي ودولي.
في أيار يقف الفلسطيني في المخيم، لا ليستذكر كيف سقطت صفد، وإجزم واللد وسحماتا تحت حراب العصابات الصهيونية فقط، ولا ليتذكر علقم الخذلان العربي في جيشه"المنقذ"، بل أيضا كيف انفلت من طوق الإبادة والمحرقة الصهيونية.
يستعيد اللاجئ في نكبته اليوم، معاني خذلان حقيقي يطرق عقله، بالضبط كما قصفت هذه المعاني رؤوس أجداده ورمتهم خارج جغرافيا وطنهم ومدنهم وقراهم، وهو يستمع لمعزوفة ممجوجة لليوم عن من باع وطنه، ثم نعوتاً عمن يقاوم جلاده، تلاحقه من عربي بائس ليمنح البراءة من دم مسفوح على تخوم حدود عربية مع فلسطين، ومن سياسي يتناسى معاني جرائم الإبادة الجماعية وأثقالها الأخلاقية، ليقدم برودة تطبيعية مُقَدمة على مذبح نكبة جديدة.
النكبة تشرح عاما بعد آخر، وشهرا بعد شهر، وكل وقت يقضيه أصحاب الأرض والتاريخ والجغرافيا في مقاومة شطبهم من الوجود، فكتابة عصابات المشروع الصهيوني فصل جديد من سجل النكبة، لن يغيب عن ذاكرة الشعب الفلسطيني الذي توارث نكبة وعايش فصلاً وحشياً منها وبذاكرة لا تنضب، وهي سلاحه الذي لن تستطيع كل هراءات العصر الحديث أن تحجبها، حتى لو ارتدت كل معاطف الوطنيات الباهظة ، والبكائيات واللطميات عن السلام المفقود، لأن ضمان ما بعد النكبة الذي يتمسك به نفاق العالم المتحضر يتفسخ مع جثث جرائم الإبادة، ويتمزق مع إصرار شعب على الحياة حراً، وإصرار لصوص ومجرمين على تكرار فعل الجريمة وتذكير المنكوبين بأصالة فاشية وعنصرية ستنهي نفسها يوماً ما.





شارك برأيك
ضمان ما بعد النكبة يتفسخ