تفرض التحولات الكونية الراهنة نحو نظام عالمي جديد على العرب إعادة صياغة هويتهم القومية ورؤيتهم لمصالحهم الاستراتيجية. لقد أفرزت المواجهات العسكرية الأخيرة جملة من الحقائق التي لا يمكن تجاوزها، وعلى رأسها أن القضية الفلسطينية تظل القضية المركزية الأولى مهما حاول البعض تقليل شأنها أو تقديم أولويات أمنية أخرى عليها.
تستمد القضية الفلسطينية ثقلها من كونها جوهر الصراع مع المشروع الاستعماري الغربي المتمثل في إسرائيل. وتؤكد الوقائع أن الأطماع الإسرائيلية لا تتوقف عند حدود فلسطين، بل تمتد لتستهدف المحيط العربي الواسع ضمن رؤية توسعية تسعى للسيطرة على مقدرات المنطقة وسيادتها بالكامل.
لقد كشفت الحرب أن الرهان الحصري على الولايات المتحدة لضمان الأمن والاستقرار الإقليمي هو رهان خاسر بامتياز. فرغم وجود تسع عشرة قاعدة عسكرية أمريكية في منطقة الخليج، إلا أنها لم توفر الحماية اللازمة للدول المستضيفة لها حين تصاعدت التوترات العسكرية في المنطقة.
تحولت هذه القواعد العسكرية في كثير من الأحيان إلى عبء أمني على الدول التي استقبلتها، حيث كانت سبباً مباشراً في استهداف بنيتها التحتية. وقد تبين أن القرار الأمريكي بشن الحروب أو الانخراط فيها يصدر لصالح الأجندة الإسرائيلية حصراً، دون اعتبار لمصالح أو مواقف الدول العربية الحليفة.
تشير القراءات السياسية إلى أن الوجود العسكري الأجنبي يهدف بالدرجة الأولى إلى حماية إسرائيل وإسقاط الهوية العربية الجامعة. وتسعى هذه القوى لتحويل المنطقة إلى كيانات قطرية أو طائفية متناحرة، مما يسهل عملية زعزعة الأمن الاستراتيجي للدول الكبرى في الإقليم.
وفيما يتعلق بالقدرات العسكرية، أنفق العرب مئات المليارات على التسلح دون الحصول على تفوق تقني حقيقي، حيث تفرض القيود الدولية تزويدهم بأجيال متخلفة من السلاح. يمتلك العرب الثروات والعقول، لكنهم يفتقرون حتى الآن للإرادة السياسية لتطوير صناعات عسكرية وطنية مستقلة تعفيهم من الارتهان للخارج.
تظل معاهدة الدفاع العربي المشترك، الموقعة منذ عام 1945، حبيسة الأدراج دون تفعيل حقيقي على أرض الواقع. ورغم وجود بوادر لصحوة نظرية نحو إقامة حلف سياسي عسكري بقيادة السعودية، إلا أن الضغوط الأمريكية والإسرائيلية تظل العائق الأكبر أمام تحقيق هذا الطموح القومي.
لقد أثبتت الحرب الجارية أن الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة وجد لحماية إسرائيل فقط، وليس لحماية السيادة العربية.
يجب على صانع القرار العربي إدراك أن الدول الناجحة هي التي ترسم استراتيجياتها بناءً على رؤية مستقبلية وقراءة دقيقة لموازين القوى المتغيرة. لم تعد الولايات المتحدة هي القوة الوحيدة التي يمكن المراهنة عليها، مما يفتح الباب أمام خيارات واسعة للتحرك نحو أقطاب دولية أخرى مثل روسيا والصين وأوروبا.
إن الخروج من تحت المظلة الأمريكية الإسرائيلية يتطلب أولاً استعادة بناء الهوية القطرية والقومية على أسس متينة. هذا التحول يتطلب شجاعة في اتخاذ القرار والبحث عن تحالفات دولية تضمن التوازن وتحمي المصالح العربية العليا بعيداً عن التبعية المطلقة لقطب واحد.
بالنظر إلى العلاقة مع إيران، تبرز حقيقة أن الجغرافيا تحكم الجانبين بضرورة التعايش، حيث لا يمكن إزاحة الحضارات العريقة الواقعة على ضفتي الخليج. وقد أكدت طهران في مناسبات عدة أنها لا تسعى لعداء جوارها العربي، وأن التوترات غالباً ما ترتبط بوجود القواعد الأجنبية التي تستفز الأمن الإقليمي.
إن الصراعات البينية العربية، كما يظهر في السودان وليبيا واليمن، ساهمت في إضعاف الموقف القومي العام وأتاحت التدخلات الخارجية. فبدلاً من توجيه الجهود نحو بناء قوة ردع مشتركة، استنزفت هذه النزاعات الموارد العربية وأدت إلى انقسامات حادة خدمت المشاريع المعادية للمنطقة.
أثبتت التجربة الفلسطينية الطويلة، وصولاً إلى أحداث عام 2023 أن إرادة الصمود هي العامل الحاسم في أي صراع. فرغم اختلال موازين القوى العسكرية، إلا أن التمسك بالحق والإصرار على المواجهة يفرض واقعاً جديداً لا يمكن لآلة الحرب التقليدية حسمه بسهولة.
يحتاج العرب اليوم إلى الانتقال من مرحلة بيانات الإدانة والشجب إلى مرحلة الفعل الاستراتيجي المنظم. إن صرخة 'يا وحدنا' التي رددها الفلسطينيون طويلاً، باتت تتردد اليوم في عواصم عربية أخرى، مما يستوجب وحدة المصير والهدف لمواجهة التحديات الوجودية المشتركة.
في الختام، تظل الحرب الجارية مدرسة قاسية لتعلم الدروس السياسية والعسكرية، حيث لا مكان للضعفاء في نظام عالمي يتشكل بالقوة. إن استعادة زمام المبادرة تتطلب الاعتماد على الذات، وتفعيل العمل العربي المشترك، وفهم أن أمن القدس هو جزء لا يتجزأ من أمن الرياض والقاهرة وبغداد.





شارك برأيك
حقائق الحرب الجارية: القضية الفلسطينية تعود للمركزية وسقوط رهانات الحماية الخارجية