تواجه شركة "ديلي واير"، التي تعد من أبرز المنصات الإعلامية المحافظة في الولايات المتحدة، أزمة متصاعدة تهدد مكانتها داخل الإعلام اليميني. وأفادت مصادر صحفية بأن المنصة التي كانت تعد المحرك الإعلامي لتيار "ماغا" المؤيد لدونالد ترامب، تعاني حالياً من تراجع لافت في نسب المشاهدة والمتابعة، بالتزامن مع موجة تسريحات واسعة طالت طواقمها.
وأشارت التقارير إلى أن الشركة التي شارك في تأسيسها المعلق بن شابيرو، فقدت بريقها الرقمي الذي ميزها خلال انتخابات 2020. فبعد أن كانت تتصدر قائمة الناشرين على منصات التواصل الاجتماعي، تواجه اليوم تشكيكاً في قدرتها على الاستمرار كقوة مؤثرة في ظل صعود منافسين أكثر راديكالية.
وأظهرت بيانات تقنية حالة من الجمود في قاعدة مشتركي القناة الرسمية للمنصة على "يوتيوب" خلال الأشهر الـ16 الماضية. كما كشفت تقديرات حركة المرور الرقمية أن موقع الشركة فقد نحو نصف زواره في شهر مارس الماضي مقارنة بالفترة ذاتها من العام السابق، مما يعكس تحولاً في اهتمامات الجمهور المحافظ.
ويعزو محللون هذا التراجع إلى حالة التفكك التي تضرب الإعلام الحزبي التقليدي على الإنترنت، حيث بدأ الجمهور بالانتقال نحو صانعي المحتوى المستقلين. وباتت "ديلي واير" تواجه اتهامات بأنها تحولت إلى نسخة من المؤسسات الإعلامية التقليدية التي كانت تدعي محاربتها في بداياتها.
من جانبها، أكدت إدارة الشركة تقليص قوتها العاملة بنسبة 13% منذ مطلع العام الجاري، مع تركز معظم هذه الإقالات في المقر الرئيسي بمدينة ناشفيل. ورغم هذه الخطوات التقشفية، شدد المتحدث باسم الشركة على أنهم لا يزالون يمتلكون فريقاً يضم أكثر من 200 موظف موزعين على عدة ولايات.
وفي تعليقه على الأزمة، أقر بن شابيرو بتراجع الإيرادات مقارنة بالعام الماضي، معتبراً أن بعض القرارات الإدارية الصعبة أثرت على الوضع المالي. وأوضح شابيرو أن إقالة شخصيات مثيرة للجدل مثل كانديس أوينز كان لها ثمن مادي، لكنه أصر على أن التدفقات النقدية للشركة لا تزال قوية.
وتشير المؤرخة نيكول هيمنر إلى أن المشكلة الأعمق تكمن في "الافتراس الشعبوي" داخل الحزب الجمهوري، حيث يصطدم نهج شابيرو التقليدي مع صعود تيار يميني جديد. هذا التيار الجديد يتبنى خطاباً أكثر عداءً للمؤسسات السياسية، ويرى في مواقف شابيرو الداعمة لإسرائيل والسياسات التقليدية نموذجاً قديماً لم يعد جاذباً.
بن شابيرو أصبح رمزاً لتيار محافظ يتلقى الضربات منذ سنوات، وهذا التيار يفقد شعبيته داخل الحركة المحافظة لصالح خطاب أكثر راديكالية.
وعلى الصعيد المالي، حاولت الشركة تنويع استثماراتها بعيداً عن الأخبار السياسية عبر الدخول في مجالات الترفيه وإنتاج الأفلام السينمائية. وأطلقت المنصة مشاريع طموحة مثل شبكة "بنتكي" للأطفال بميزانية وصلت إلى 100 مليون دولار، بهدف منافسة شركة ديزني في تقديم محتوى محافظ.
ورغم النجاح النسبي لبعض الإنتاجات مثل الوثائقي الساخر "هل أنا عنصري؟" الذي حقق 12 مليون دولار، إلا أن حجم الإنفاق الضخم أثار قلق المراقبين. ويرى محللون إعلاميون أن طموحات الشركة في التحول إلى إمبراطورية ترفيهية قد تكون طريقاً سريعاً نحو الإفلاس إذا لم تتحسن الإيرادات.
وفي محاولة للبقاء في دائرة الضوء، أطلقت الشركة حملات دعائية ضخمة في ساحة "تايمز سكوير" بنيويورك للترويج لبرامجها. ومع ذلك، فشلت هذه الجهود في حصد ترشيحات لجوائز كبرى مثل "غولدن غلوب"، مما عزز الانطباع بأن الشركة تسعى جاهدة للقبول في الأوساط التقليدية.
وتشير الأرقام إلى تراجع حاد في أداء بودكاست بن شابيرو على منصة "سبوتيفاي"، حيث تراجع ترتيبه بشكل ملحوظ أمام منافسين مثل تاكر كارلسون. كما انخفضت مشاهدات حلقاته على يوتيوب بنسبة تصل إلى 70%، حيث باتت بعض الحلقات تحقق أرقاماً متواضعة مقارنة بملايين المشاهدات سابقاً.
من جهة أخرى، انتقدت كانديس أوينز، التي غادرت الشركة بعد خلافات حادة، السياسة التحريرية للمنصة، واصفة إياها بأنها أصبحت تضيق مساحة الرأي. واعتبرت أوينز أن "ديلي واير" ارتكبت أخطاء مالية كارثية في سعيها وراء الشهرة، مما أدى إلى فقدان ثقة الجمهور اليميني القاعدي.
ورغم هذه التحديات، تصر إدارة المنصة على أنها لا تزال في مسار نمو، مستشهدة بحصولها على مقعد دائم في غرفة الإحاطة بالبيت الأبيض. وتؤكد الشركة أنها ستواصل الاستثمار في مشاريع ترفيهية جديدة خلال العام الحالي، معتبرة أن الحديث عن نهايتها هو مجرد مبالغات تتكرر سنوياً.
ويبقى التساؤل قائماً حول قدرة "ديلي واير" على استعادة نفوذها في ظل التحولات الكبرى داخل المعسكر المحافظ الأمريكي. فبينما تحاول المؤسسة الحفاظ على توازنها، يبدو أن الجمهور اليميني يتجه بشكل متزايد نحو منصات تقدم خطاباً أكثر راديكالية وتحدياً للروايات التقليدية.





شارك برأيك
أزمة في معقل اليمين الأمريكي: تراجع حاد يضرب منصة "ديلي واير" وتسريحات واسعة للموظفين