تتداخل المفاهيم لسنوات طويلة في أعقاب محاولات الثورة في دول الربيع العربي، حيث يبرز التساؤل حول تأخر التغيير المنشود. إن للتغيير مستلزمات ضرورية تبدأ من داخل الراغبين فيه، وتتمثل في امتلاك مقومات العمل السريع المتمم لمسيرة طويلة من الأفعال الجادة، مع ضرورة التحلي بالإخلاص والصبر والإصرار على الدفاع عن المكتسبات.
تعد القدرة على مواجهة التحديات الخارجية ومناسبة الأجواء الداخلية من الركائز الأساسية لنجاح أي حراك إصلاحي. وفي حال غياب هذه القدرة، يصبح لزاماً على الشعوب تحمل مزيد من الصعوبات بوعي كافٍ للتمييز بين الأفعال الحكيمة والمخطئة، وهو ما يزداد صعوبة في ظل افتقاد القيادة الحكيمة التي تؤثر مصلحة الأمة على مصالحها الخاصة.
يعتقد الكثيرون أن الثورات قد توأد أو تختنق تحت وطأة الضربات الموجعة، إلا أن نظرة فاحصة للتاريخ المصري الحديث تثبت عكس ذلك. فالثورة تظل ناراً كامنة تحت رماد القمع، بانتظار اللحظة المناسبة للانفجار مجدداً، وهو ما يفسر استمرار الروح الثورية رغم محاولات الإخماد المتكررة.
في يناير 1977، خرج المصريون رفضاً لزيادة الأسعار فيما عرف بانتفاضة الخبز، والتي وصفها الرئيس الراحل أنور السادات بـ 'انتفاضة الحرامية'. ورغم تمكن النظام حينها من شل أركان الحراك، إلا أن لهيب النيران ظل يشتعل في النفوس لأكثر من ثلاثين عاماً حتى اندلعت ثورة يناير 2011 المضيئة.
التاريخ يخبرنا أن القادة العظام ليسوا بالضرورة مبرئين من العيوب البشرية، فالمهم هو قدرتهم على القيادة والتضحية. الزعيم سعد زغلول، الذي قاد ثورة 1919 ضد الاحتلال الإنجليزي، أقر في مذكراته ببعض عيوبه الشخصية، ومع ذلك نجح في تحريك الشارع المصري وهز أركان الملكية والاحتلال.
كذلك كانت لشخصيات عالمية مثل غاندي في الهند سلبيات كبرى، مما يؤكد أن الشخصيات العظيمة قد ترتكب أخطاءً توازي حجم تأثيرها. العبرة تكمن في مدى اتصال هذه الشخصيات بقضايا أمتها وقدرتها على تجاوز الهفوات البشرية لصالح الهدف الأسمى المتمثل في التحرر والإصلاح.
يقر العقل بأن الكمال لله وحده، لكن المعضلة تكمن في إيثار المتاع الفاني على مصلحة الوطن الباقية. ومع مرور الزمن، ينكشف زيف من يدعون الرغبة في الإصلاح بينما تذهب نفوسهم خلف أهوائها الخاصة، مما يؤدي إلى خيبة مساعي الأمم وتراجع روح الفضيلة في مسيرة التغيير.
إن الثورة نار تعتمل تحت رماد الطغاة، وإن اختنقت مرحلياً فإنها تضطرم في النفوس الأبية ليوم آخر قريب.
إن عدم اعتراف النفس البشرية بالتراجع عن روح الفضيلة يعد من أكبر المعضلات التي تواجه الحركات الإصلاحية. فبينما يظل البعض في موقف ظاهره محبة الإصلاح، تنبت في الداخل محبة الدنيا والرغبة في الاستئثار بالخيرات، مما يصدق عليه قول الشاعر بأن الجود يفقر والإقدام قتال.
يعد ادعاء المثالية من أكثر الأمراض مرارة في جسد الأمة، حيث يبرز متحدثون لبقون يقنعون الجماهير بصحة قراراتهم باللسان فقط. وعند الفحص العملي، لا يجد المرء أثراً لتلك المثالية على أرض الواقع، مما يجعل السكوت عن هذه الأمثلة المؤلمة أحياناً أفضل من الخوض فيها.
البشرية دائماً بحاجة إلى قدوة عملية وسيرة إنسانية تجسد المبادئ السامية، كما كان الأنبياء عليهم السلام. فالناس يحتاجون لرؤية القيم تسير أمامهم في سلوك القادة، وهو ما جسده النبي محمد صلى الله عليه وسلم الذي كان خلقه القرآن، ليكون نموذجاً يحتذى به في القيادة والإصلاح.
بعض الحركات أعدت نفسها لمسيرة إصلاحية تقليدية تفتقر للروح الثورية، مما جعلها تُفاجأ بالشباب الثائر تحت مظلتها. هذا التذبذب بين الإصلاح السلمي المطلق وبين مقتضيات الثورية أدى إلى تخبط لا حل له سوى المراجعات الشاملة والعمل على مواءمة النظرية مع واقع الحال.
تنشأ الشخصية في أمتنا على فطرة سوية وتبحث تلقائياً عن رائد يقودها، فإن لم تجده سلكت سبل المنفعة الخاصة. وقد حذر الشيخ الغزالي سابقاً من الذين لم يجدوا مكاناً في الدنيا فدلفوا إلى الدعوة، فأساؤوا إليها وطلبوا الدنيا من خلالها، مما تسبب في ألم بالغ لمسيرة الإصلاح.
التساؤل الجوهري يبقى حول مدى صدق المطالب وتصالح النفوس مع ذاتها، فلماذا يقحم البعض مصالحهم الخاصة في قضايا المستقبل العام؟ إن حماية المصالح الشخصية تحت ستار الإصلاح يؤخر تحسن الأحوال ويزيد من إرهاق السائرين في طريق التغيير، بل ويوجع الأجيال التي لم تبدأ مسيرتها بعد.
في نهاية المطاف، حين يشاء الله يهيئ الأسباب والقيادة المناسبة لأمر الإصلاح والتغيير، حيث تلتقي إرادة الشعوب مع قائد يمتلك الرؤية العلمية والصدق. وحينها فقط تهتدي مركبة الثورة نحو الأمام، محاطة بزمرة من المخلصين الذين يستشرفون مستقبلاً أفضل، وإن غداً لناظره قريب.





شارك برأيك
بين أزمة القيادة وقيادة الأزمة: قراءة في معوقات التغيير ومآلات الثورات