أقلام وأراء

الخميس 16 يوليو 2026 8:57 صباحًا - بتوقيت القدس

الانتخابات الفلسطينية: هل تُجدد الشرعية أم تؤسس لعقد سياسي جديد؟


في التجارب الديمقراطية المستقرة، تُعد الانتخابات محطةً دوريةً لتجديد الثقة بين الحاكم والمحكوم، أما في الحالة الفلسطينية، فإنها تتجاوز هذا المعنى الإجرائي لتصبح سؤالًا وجوديًا يتعلق بمستقبل النظام السياسي نفسه. فبعد سنوات طويلة من غياب الاحتكام إلى صناديق الاقتراع، لم تعد القضية تقتصر على استحقاق دستوري مؤجل، بل باتت تمس جوهر الشرعية السياسية، وقدرة المؤسسات على تمثيل الشعب الفلسطيني في مرحلة تتكاثر فيها التحديات الداخلية والخارجية على حد سواء.
لقد نشأ النظام السياسي الفلسطيني في سياق وطني استثنائي، حيث تداخلت شرعية الثورة مع شرعية المؤسسات، واختلطت مهام التحرر الوطني بمتطلبات بناء السلطة والإدارة. غير أن هذا التداخل، الذي كان مفهومًا في مرحلة التأسيس، تحول مع مرور الزمن إلى إشكالية بنيوية، خصوصًا بعد قيام السلطة الفلسطينية وما رافقه من انتقال جزئي من منطق الثورة إلى منطق الدولة، دون أن يكتمل هذا الانتقال أو يستقر على قواعد دستورية وسياسية راسخة.
وجاء الانقسام الفلسطيني ليكشف هشاشة هذا البناء. فلم يكن الانقسام مجرد خلاف بين فصيلين سياسيين، بل كان تعبيرًا عن أزمة أعمق تتعلق بطبيعة النظام السياسي، وحدود توزيع السلطة، وآليات إدارة الاختلاف الوطني. ومنذ ذلك الحين، لم يعد تعطيل الانتخابات نتيجةً للأزمة فحسب، بل أصبح أحد أسباب استمرارها. فكل يوم يمر دون تجديد الشرعية يوسع الفجوة بين المجتمع ومؤسساته، ويضعف ثقة المواطن بالعملية السياسية، ويكرس ثقافة إدارة الواقع بدلًا من تغييره.
ومع ذلك، فإن اختزال الأزمة الفلسطينية في غياب الانتخابات وحده ينطوي على قدر من التبسيط. فالانتخابات، مهما بلغت أهميتها، ليست قيمة قائمة بذاتها، بل هي أداة ضمن منظومة ديمقراطية متكاملة. وما لم تُحط بضمانات سياسية وقانونية ومجتمعية، فإنها قد تتحول إلى مجرد وسيلة لإعادة إنتاج موازين القوى القائمة، بدل أن تكون مدخلًا لإصلاحها.
إن الديمقراطية ليست صندوق اقتراع فقط، وإنما منظومة تبدأ بحرية الرأي والتنظيم، وتمر باستقلال القضاء وحياد المؤسسات، وتنتهي بقبول الجميع بنتائج العملية السياسية. وقد أثبتت التجربة الفلسطينية أن المشكلة لم تكن يومًا في القدرة على تنظيم الانتخابات، بل في القدرة على إدارة نتائجها. فالشرعية لا تُختبر يوم التصويت، وإنما في اليوم التالي، حين يصبح احترام إرادة الناخبين معيارًا لمدى الإيمان الحقيقي بالديمقراطية.
وإذا كانت الشرعية الديمقراطية قد تراجعت بفعل غياب الانتخابات، فإن الشرعية الوطنية تواجه بدورها تحديًا لا يقل خطورة. فالاحتلال الإسرائيلي لا يستهدف الأرض وحدها، بل يسعى أيضًا إلى إضعاف البنية السياسية الفلسطينية ومنعها من التطور الطبيعي. فمن خلال السيطرة على القدس، وفرض القيود على الحركة، واعتقال المرشحين والناشطين، والتدخل في البيئة السياسية، يعمل الاحتلال على إبقاء النظام الفلسطيني في حالة عدم استقرار دائم، بما يحد من قدرته على تمثيل شعبه بفاعلية.
غير أن الاحتلال، على قسوته، لا يمكن أن يكون التفسير الوحيد لتعثر الحياة الديمقراطية الفلسطينية. فهناك مسؤولية فلسطينية داخلية لا يجوز القفز عنها. إذ إن استمرار الانقسام، وتعطيل المؤسسات، وتأجيل الانتخابات، وتغليب الحسابات الفصائلية على المصلحة الوطنية، كلها عوامل أسهمت في إضعاف النظام السياسي وإفقاده جزءًا مهمًا من شرعيته المجتمعية.
ولعل أخطر ما أفرزته هذه الحالة هو اتساع المسافة بين الأجيال الجديدة والسياسة. فقد نشأ جيل كامل لم يشارك في أي انتخابات عامة، ولم يعايش تجربة تداول السلطة، وأصبح ينظر إلى المؤسسات السياسية بوصفها كيانات مغلقة لا تعكس طموحاته ولا تمنحه فرصة للمشاركة في صناعة مستقبله. وهذا التآكل في الثقة لا يقل خطورة عن أي أزمة دستورية، لأن شرعية الأنظمة لا تقوم على النصوص وحدها، بل على اقتناع المواطنين بأنها تمثلهم وتحمي حقوقهم وتستمد سلطتها من إرادتهم الحرة.
من هنا، فإن الانتخابات المقبلة ينبغي ألا تُفهم باعتبارها نهاية للأزمة، بل بداية لمسار إصلاحي أوسع. فإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني تتطلب مراجعة شاملة للعلاقة بين السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية، وتفعيل المؤسسات التمثيلية، وتجديد النخب السياسية، وإرساء قواعد واضحة للفصل بين السلطات، وتعزيز استقلال القضاء، وتكريس ثقافة المساءلة والشفافية.
كما أن إعادة بناء النظام السياسي تقتضي إعادة تعريف مفهوم الشراكة الوطنية. فالقضية الفلسطينية أكبر من أن تُدار بمنطق الغلبة أو الاحتكار السياسي، وهي بحاجة إلى نظام يستوعب التعددية، ويحول الاختلاف إلى مصدر قوة، لا إلى مدخل للانقسام. فالأنظمة السياسية القوية ليست تلك التي تلغي التنافس، وإنما التي تنظم هذا التنافس وفق قواعد عادلة ومتفق عليها.
إن الحاجة اليوم ليست إلى انتخابات تُنتج سلطة جديدة فحسب، بل إلى انتخابات تؤسس لعقد سياسي جديد، يعيد صياغة العلاقة بين المواطن ومؤسساته، ويحدد بوضوح الحقوق والواجبات، ويؤكد أن مصدر الشرعية الوحيد هو الإرادة الشعبية الحرة. فالعقد الاجتماعي لا يُبنى بالشعارات، وإنما بالمشاركة، وباحترام القانون، وبإيمان الجميع بأن تداول السلطة ليس تهديدًا للاستقرار، بل شرطًا له.
لقد أثبت التاريخ الفلسطيني أن الشرعية الوطنية كانت دائمًا مصدر قوة في مواجهة الاحتلال، وأن وحدة التمثيل السياسي شكلت عنصرًا أساسيًا في صمود المشروع الوطني. واليوم، تبدو الحاجة أكثر إلحاحًا لاستعادة هذه الشرعية عبر أدوات ديمقراطية حديثة، لا تُقصي أحدًا ولا تحتكر الحقيقة، بل تفتح المجال أمام مشاركة جميع مكونات المجتمع في رسم مستقبلهم المشترك.
إن الانتخابات، إذا أُحسن الإعداد لها وأُحسن التعامل مع نتائجها، يمكن أن تكون نقطة تحول تاريخية تعيد الاعتبار للديمقراطية الفلسطينية، وتمنح المؤسسات شرعية متجددة، وتؤسس لنظام سياسي أكثر قدرة على مواجهة تحديات الاحتلال والتحولات الإقليمية والدولية.

دلالات

شارك برأيك

الانتخابات الفلسطينية: هل تُجدد الشرعية أم تؤسس لعقد سياسي جديد؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.