أقلام وأراء

الأحد 10 مايو 2026 10:29 صباحًا - بتوقيت القدس

حين تصبح الانتخابات عبئًا في زمن العجز السياسي


في الأزقة الضيقة للمدن الفلسطينية، وعلى أرصفة المقاهي المكتظة بالأحاديث الثقيلة، لا يبدو المواطن منشغلًا كثيرًا بمن سيفوز في هذا الإقليم التنظيمي أو ذاك، ولا بمن سيجلس على المقعد الأعلى داخل أطر حركة فتح.

الناس هنا لديهم ما يكفي من القلق اليومي؛ راتب متأخر، وحاجز مفاجئ، وغلاء يلتهم ما تبقى من القدرة على الاحتمال، وأفق سياسي يبدو أكثر ضبابية من أي وقت مضى.

لكن مع كل موسم انتخابي داخلي، ترتفع حرارة الخطاب السياسي بصورة تكاد تصبح منفصلة عن نبض الشارع الحقيقي. فجأة تمتلئ المجالس بالأسماء والتحالفات والتسريبات، وتتحول وسائل التواصل إلى ساحات اصطفاف وتخوين وتصفية حسابات قديمة، بينما يقف المواطن العادي متسائلًا: ماذا سيتغير في حياته بعد كل هذا الضجيج؟

في لحظة فلسطينية مثقلة بالهزيمة المعنوية والانسداد السياسي، يبدو مشهد التنافس المحموم على مواقع القيادة أقرب إلى مفارقة صادمة. فما الذي يدفع هذا العدد من الطامحين إلى التزاحم على مقاعد قيادة لا تملك، عمليًا، القدرة على تغيير المشهد أو إعادة صياغة الواقع؟ وأي سلطة حقيقية يمكن الحديث عنها في ظل وضع فلسطيني يراوح مكانه بين الأزمات والانقسامات والارتهان للظروف الإقليمية والدولية؟

المفارقة أن الفلسطيني الذي عاش سنوات طويلة من الانقسام والوعود المؤجلة لم يعد ينظر إلى الانتخابات بوصفها حدثًا احتفاليًا بقدر ما يراها اختبارًا جديدًا لمدى قدرة الطبقة السياسية على فهم التحولات العميقة في المزاج الشعبي. فالأجيال الجديدة تحديدًا لم تعد تستهويها اللغة التقليدية أو الشعارات الكبرى، بل تبحث عن نموذج سياسي أقل صخبًا وأكثر قدرة على إنتاج حلول حقيقية.

داخل حركة فتح نفسها، لا يمكن إنكار أهمية أي عملية تجديد أو إعادة ترتيب داخلي. فالحركات السياسية التي تتوقف عن مراجعة ذاتها تدخل تدريجيًا في دائرة الجمود. لكن الإشكالية تبدأ حين تتحول المنافسة التنظيمية إلى معركة نفوذ مفتوحة تنعكس مباشرة على الشارع الفلسطيني، وتخلق حالة من التوتر والاستقطاب تتجاوز حدود التنظيم إلى المجتمع بأكمله.

فلسطين اليوم ليست في موقع الفعل السياسي بقدر ما هي في موقع ردّات الفعل. وحتى ردّات الفعل نفسها تراجعت إلى حدودها الدنيا؛ بيانات إدانة، وتصريحات غاضبة، وتبادل للاتهامات وتحميل المسؤوليات، دون قدرة حقيقية على فرض معادلات جديدة أو تغيير الوقائع المفروضة على الأرض.

وسط هذا المشهد، يصبح السؤال مشروعًا: لماذا كل هذه الحُمّى الانتخابية؟

على ماذا يتنافس الجميع تحديدًا؟

هل التنافس على سلطة محدودة الصلاحيات أصلًا؟ أم على مواقع تنظيمية فقدت جزءًا كبيرًا من تأثيرها الشعبي؟ أم أنه صراع نفوذ داخل بنية سياسية تخشى الفراغ أكثر مما تمتلك مشروعًا واضحًا للمستقبل؟

الناس لا ترفض السياسة، لكنها سئمت السياسة التي تدور حول ذاتها فقط. هناك فرق كبير بين انتخابات تُنتج مشروعًا وطنيًا واضحًا، وبين انتخابات تتحول إلى استعراض قوة داخل الأطر التنظيمية. وفي الحالة الفلسطينية، حيث تتراكم الأزمات الوطنية والاقتصادية والمعيشية، يصبح أي انشغال مفرط بالصراعات الداخلية أشبه برسالة سلبية تقول للمواطن إن أولوياته ليست على رأس جدول الأعمال.

المؤلم أن المواطن الفلسطيني الذي يراقب هذا المشهد من بعيد لم يعد ينتظر الكثير. فالفجوة بين الخطاب السياسي والواقع اليومي اتسعت بصورة غير مسبوقة. الناس تبحث عن حماية لكرامتها المعيشية والوطنية، بينما تبدو النخب السياسية غارقة في حساباتها الداخلية، وكأنها تخوض معارك في عالم منفصل عن المزاج العام.

لا أحد ينكر أهمية وجود مؤسسات أو أطر تنظيمية أو تداول داخلي للمواقع القيادية، لكن قيمة أي انتخابات تُقاس بما يمكن أن تنتجه من قدرة على الفعل، لا بمجرد تغيير الأسماء أو إعادة توزيع النفوذ. أما حين يغيب الأفق السياسي، وتتآكل أدوات التأثير، وتتحول القيادة نفسها إلى إدارة للأزمة بدلًا من صناعة الحلول، فإن التنافس يفقد جزءًا كبيرًا من معناه الوطني.

وربما تكمن الخطورة الأكبر في أن هذا المناخ يوسع الفجوة بين الشارع والقوى السياسية التقليدية. فكلما ارتفع منسوب المناكفات، ازداد شعور الناس بالاغتراب عن المشهد العام، وازدادت القناعة بأن السياسة الفلسطينية تعيش أحيانًا داخل عالمها الخاص، بعيدًا عن تفاصيل الحياة اليومية القاسية.

اليوم، لا يحتاج الفلسطيني إلى مزيد من الضجيج السياسي بقدر حاجته إلى خطاب يعيد إليه شيئًا من الثقة. خطاب يوازن بين حق التنظيمات في التجديد الداخلي، وحق الناس في الاستقرار والوضوح واحترام معاناتهم اليومية.

فالشارع الفلسطيني، المثقل أصلًا بكل هذا التعب، لم يعد يحتمل مواسم طويلة من التوتر السياسي المفتوح. وما لم تدرك القوى السياسية ذلك، فإن الفجوة بينها وبين الناس ستواصل الاتساع بصمت، لكنه صمت يحمل في داخله كثيرًا من الغضب والأسئلة المؤجلة.

وفي زمن كهذا، لا تكون المشكلة في كثرة المتنافسين على القيادة، بل في غياب السؤال الأصعب:قيادة إلى أين؟


دلالات

شارك برأيك

حين تصبح الانتخابات عبئًا في زمن العجز السياسي

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.