تحليل

الجمعة 08 مايو 2026 4:25 مساءً - بتوقيت القدس

المشروع الصهيوني في ميزان التاريخ: هل إسرائيل هي جذر الأزمات في الشرق الأوسط؟

منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، لم تهدأ منطقة غرب آسيا من وطأة النزاعات المسلحة التي كانت إسرائيل طرفاً ثابتاً فيها. فمنذ نكبة عام 1948، توالت الحروب التي صاغت واقعاً مأساوياً، حيث يظهر القاسم المشترك في معظم هذه المواجهات هو التورط الإسرائيلي المباشر أو غير المباشر لتعزيز نفوذ الاحتلال في المنطقة.

في عام 1956، تجلى هذا العدوان في الهجوم الثلاثي على مصر، حيث تحالفت إسرائيل مع بريطانيا وفرنسا رداً على تأميم قناة السويس. ورغم أن التدخل الدولي أوقف الحملة، إلا أن النوايا الإسرائيلية في تغيير الأنظمة العربية وإضعاف القوى الإقليمية الصاعدة كانت قد كشفت عن وجهها الباكر.

شكل عام 1967 نقطة تحول استراتيجية، حين غزت إسرائيل ما تبقى من الأراضي الفلسطينية واحتلت مساحات شاسعة من مصر والأردن وسوريا. هذه الحرب التي لم تستغرق سوى أيام قليلة، ضاعفت مساحة الاحتلال وكرست واقعاً استعمارياً جديداً لا تزال المنطقة تعاني من تبعاته حتى اليوم.

لم تتوقف الطموحات العسكرية عند هذا الحد، ففي عام 1968 شنت إسرائيل هجوماً على الأردن في معركة الكرامة بهدف تصفية معسكرات المقاومة الفلسطينية. ورغم فشل الهجوم عسكرياً، إلا أنه عكس الإصرار الإسرائيلي على ملاحقة الوجود الفلسطيني المقاوم حتى خارج حدود الأرض المحتلة.

خلال السبعينيات والثمانينيات، صب الاحتلال جام غضبه على لبنان، وصولاً إلى غزو العاصمة بيروت عام 1982. هذا الغزو أدى إلى إنشاء حزام أمني في الجنوب وإقامة سلطة عميلة تحت مسمى 'جيش لبنان الجنوبي'، قبل أن تنجح المقاومة اللبنانية في تحرير الأرض ودحر الاحتلال ووكلاءه.

تشير القراءات التاريخية إلى أن إسرائيل كانت المستفيد الأكبر من حرب الخليج الأولى بين العراق وإيران في الثمانينيات. فالحرب التي استنزفت مقدرات بلدين قويين، ساهمت في تحييد خطرين محتملين على الكيان الصهيوني، وأطلقت شرارة التوترات الطائفية التي لا تزال تمزق نسيج المنطقة.

في التسعينيات، ومع غزو العراق للكويت، بدأت ملامح فصل جديد من التدخلات التي تخدم المصالح الإسرائيلية. فقد اعتبرت دوائر صنع القرار في تل أبيب أن العراق، رغم إنهاكه، لا يزال يمثل تهديداً وجودياً لمشروعها، مما دفعها للتحريض المستمر ضد نظام صدام حسين.

بلغ التحريض الإسرائيلي ذروته بدفع إدارة المحافظين الجدد في الولايات المتحدة لغزو العراق عام 2003. واستندت تلك الحرب إلى ذرائع واهية حول أسلحة الدمار الشامل، لكن الهدف الحقيقي كان تفكيك القوة العراقية وضمان تفوق إسرائيل النوعي في الإقليم.

بالتوازي مع هذه الحروب الإقليمية، استمرت الحرب الإسرائيلية الممنهجة ضد الشعب الفلسطيني عبر سياسات التشريد والاعتقال. فمنذ النكبة، لم تتوقف عمليات مصادرة الأراضي وبناء المستوطنات، في محاولة لطمس الهوية الفلسطينية وإحلال المستوطنين مكان أهل الأرض الأصليين.

تمثل الثورة الإيرانية عام 1979 التحدي الأبرز للمشروع الصهيوني، حيث تحولت طهران من حليف استراتيجي للشاه إلى داعم رئيسي للمقاومة. وأدى هذا التحول إلى تغيير موازين القوى، خاصة مع دعم إيران لحركات المقاومة في لبنان وفلسطين، مما أربك الحسابات الإسرائيلية والغربية.

بعد تحييد معظم الدول العربية عبر اتفاقيات السلام أو التفاهمات السرية، بقيت إيران الخصم الإقليمي الوحيد الصامد. ومع فشل محاولات التخريب الداخلي، بدأت إسرائيل بالدفع نحو مواجهة عسكرية مباشرة، مستغلة وجود إدارات أمريكية تتماهى بشكل كامل مع طلبات الصهاينة.

أفادت مصادر بأن الموساد الإسرائيلي لعب دوراً محورياً في إقناع البيت الأبيض بجدوى الهجوم على إيران، زاعماً أن استهداف القيادة سيؤدي لثورة شعبية. إلا أن الواقع بعد مرور شهرين على اندلاع المواجهة يظهر أزمة عالمية معقدة لا تلوح لها نهاية قريبة في الأفق.

تتزايد اليوم التساؤلات في المجتمعات الغربية حول طبيعة الصهيونية والأدوار التي تلعبها الحكومات لدعم إسرائيل. وبات الكثيرون يدركون أن 'المشكلة الفلسطينية' ليست سوى عرض لمرض أكبر، وهو المشروع الاستعماري الاستيطاني الذي يسعى للهيمنة المطلقة.

إن الرؤية الإسرائيلية لا تتوقف عند حدود فلسطين، بل تمتد لتشمل طموحات 'إسرائيل الكبرى' من النيل إلى الفرات. وتكشف التصريحات المتطرفة لبعض السياسيين الإسرائيليين عن نوايا توسعية قد تستهدف دولاً مثل تركيا وباكستان، مما يجعل إسرائيل المشكلة المركزية التي تهدد السلم العالمي.

دلالات

شارك برأيك

المشروع الصهيوني في ميزان التاريخ: هل إسرائيل هي جذر الأزمات في الشرق الأوسط؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.