اسرائيليات

الأربعاء 06 مايو 2026 11:09 مساءً - بتوقيت القدس

إخفاق استراتيجي: لماذا فشل جيش الاحتلال في استنساخ دروس 'مسيرات أوكرانيا' لمواجهة حزب الله؟

تتصاعد حدة الانتقادات الموجهة لجيش الاحتلال الإسرائيلي في ظل العجز الواضح عن كبح جماح الطائرات المسيرة التي تستهدف الجبهة الداخلية والقوات العسكرية بشكل مكثف. وتتمحور هذه الانتقادات حول الفشل في استخلاص الدروس من الحرب الروسية الأوكرانية، التي قدمت نموذجاً حياً لتهديد الدرون الحديث.

أكد المعلق العسكري ديفيد جندلمان أن الادعاءات بأن الجيش لم يدرس تجربة أوكرانيا هي ادعاءات غير دقيقة من الناحية النظرية، حيث يمتلك الجيش مكتبات ضخمة من الوثائق والبيانات. وأوضح أن مراكز متخصصة في هيئة الأركان ووكالة الاستخبارات الدفاعية تعمل منذ عام 2022 على تحليل تقنيات الألياف الضوئية والتدابير المضادة لها.

رغم هذا التراكم المعرفي، يشير جندلمان إلى فجوة هائلة بين ما هو مكتوب في التقارير وما يتم تنفيذه على الأرض، واصفاً الوضع بأنه 'فشل في التنفيذ'. فقد أصدرت قيادة الجيش توجيهات في عامي 2022 و2025 للاستعداد لخطر المسيرات في الشمال، ومع ذلك بقيت القوات غير مستعدة عند اندلاع المواجهة.

يعيد هذا الإخفاق إلى الأذهان صدمة صواريخ 'ساغر' المضادة للدبابات خلال حرب أكتوبر 1973، حيث كانت المعلومات متوفرة لدى القيادة لكن الجنود في الميدان لم يسمعوا بها. وتسبب ذلك حينها في خسائر بشرية ومادية فادحة نتيجة غياب المناورات الدفاعية المناسبة والتدريب المسبق على السلاح الجديد.

المفاجأة الكبرى حدثت بعد أسبوع واحد من هجوم السابع من أكتوبر 2023، حين استخدمت فصائل المقاومة في غزة المسيرات لإلقاء المتفجرات على الدبابات. هذا التطور دفع الجيش لمحاولة استدراك الموقف بسرعة مرتجلة، مما حول الميدان إلى حالة من الفوضى في محاولة لتطبيق إجراءات وقائية كان يجب إقرارها منذ سنوات.

تتزايد حالة السخرية بين ضباط الميدان من التوجيهات التي تصلهم من القيادة العليا، والتي تفتقر إلى الحلول التكنولوجية المتقدمة وتكتفي بطلب التمويه. وبدلاً من أنظمة اعتراض متطورة، يُطلب من الجنود حفر الخنادق ونصب الشباك الواقية والابتعاد عن التجمعات خلال ساعات النهار لتجنب رصدهم من الجو.

يشير المحللون إلى أن حزب الله بدأ بالفعل في دمج تقنيات الألياف الضوئية في مسيراته، وهو ما حذرت منه مديرية الاستخبارات منذ عام 2020 دون جدوى حقيقية. هذا التأخير في التطبيق العملي للدروس المستفادة جعل القوات الإسرائيلية في حالة دفاع سلبي أمام هجمات دقيقة ومباغتة.

على الرغم من أن مسيرات حزب الله لا تُصنف حالياً كتهديد استراتيجي شامل بسبب محدودية الكميات مقارنة بالجبهة الأوكرانية، إلا أن الخطر في تصاعد مستمر. فالحزب يسعى لزيادة وتيرة الإطلاق اليومية، وهو ما يضع أنظمة الدفاع الإسرائيلية تحت ضغط هائل لم تعهده من قبل.

توضح المصادر أن الفارق العددي كبير، حيث أن ما يطلقه حزب الله في يوم كامل، يُطلق مثله في أوكرانيا خلال دقيقة واحدة فقط. ومع ذلك، فإن التأثير النفسي والميداني لهذه المسيرات على المستوطنات الشمالية والقواعد العسكرية بات لا يمكن التغاضي عنه أو التقليل من شأنه.

يعترف الخبراء العسكريون بأنه لا يوجد 'حل سحري' للقضاء نهائياً على تهديد الطائرات المسيرة، لكن الاستعداد المبكر كان كفيلاً بتقليص الخسائر. إن الاعتماد على الحلول المرتجلة في وقت الحرب يعكس خللاً بنيوياً في كيفية تعامل المؤسسة العسكرية مع التهديدات التكنولوجية الناشئة.

الانتقادات لا تتوقف عند حدود الجيش، بل تمتد للقيادة السياسية التي تجنبت التعاون الرسمي مع أوكرانيا في هذا المجال خشية إغضاب أطراف دولية. هذا الحذر السياسي ساهم بشكل غير مباشر في إبطاء وتيرة تطوير أنظمة دفاعية محلية قادرة على مواجهة ما يمتلكه حزب الله من ترسانة جوية.

في ظل هذا الواقع، يجد جنود الاحتلال أنفسهم مضطرين لابتكار وسائل دفاعية بدائية أثناء التحرك الميداني، تماماً كما فعل أسلافهم في حروب سابقة. إن غياب الرؤية الاستراتيجية لتحويل 'المعلومات' إلى 'قدرات' يظل هو الثغرة الأكبر التي يستغلها حزب الله في معركته الحالية.

ختاماً، يرى المراقبون أن الوقت لا يزال متاحاً لتطوير آليات مضادة قبل أن يتفاقم الخطر إلى مستويات غير مسبوقة، لكن ذلك يتطلب تغييراً جذرياً في العقلية العسكرية. إن الاستمرار في نهج 'الاستيعاب البطيء' للدروس سيكلف الاحتلال مزيداً من الأرواح والمعدات في الجبهة الشمالية المشتعلة.

يبقى السؤال المطروح في الأوساط الإسرائيلية هو عن مدى قدرة الجيش على سد هذه الفجوة التكنولوجية في ظل استنزاف الموارد المستمر. فبينما يطور حزب الله أدواته بناءً على تجارب عالمية، يبدو أن جيش الاحتلال لا يزال عالقاً في مرحلة الأبحاث والوثائق النظرية.

دلالات

شارك برأيك

إخفاق استراتيجي: لماذا فشل جيش الاحتلال في استنساخ دروس 'مسيرات أوكرانيا' لمواجهة حزب الله؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.