تحليل

الأربعاء 06 مايو 2026 1:53 مساءً - بتوقيت القدس

أفول 'قوة الجذب': كيف استبدلت واشنطن الدبلوماسية الناعمة بالآلة العسكرية؟

يتصاعد القلق في الأوساط الأكاديمية والسياسية داخل الولايات المتحدة جراء التراجع الملحوظ في النفوذ العالمي، حيث باتت واشنطن تعتمد بشكل مفرط على الترسانة العسكرية والضغوط الاقتصادية. هذا التحول يأتي على حساب الأدوات الدبلوماسية والثقافية التي مثلت لعقود الركيزة الأساسية للتأثير الأمريكي في الساحة الدولية.

وفي هذا السياق، نشرت مجلة 'فورين بوليسي' تحليلاً موسعاً لستيفن وولت، المحاضر في جامعة هارفارد، أكد فيه أن تآكل القوة الناعمة لم يعد مجرد نقاش نظري بل أصبح مساراً متسارعاً. ويرى وولت أن الولايات المتحدة، رغم تفوقها المادي، تعاني من أزمة حقيقية في قدرتها على جذب الآخرين وإقناعهم بنموذجها السياسي والقيمي.

ويستند التحليل إلى مفهوم 'القوة الناعمة' الذي صاغه الراحل جوزيف ناي، والذي يقوم على فكرة الجذب الطوعي بدلاً من الإكراه. فالدولة التي تمتلك هذا النوع من القوة تجعل الآخرين يرغبون في محاكاتها والارتباط بنموذجها، مما يحقق نتائج أكثر استدامة وعمقاً من الضغط العسكري المباشر.

ويشير وولت إلى أن هذا التوازن الذي ميز التفوق الأمريكي بعد الحرب الباردة بدأ يتلاشى، خاصة مع بروز نهج الإدارة الحالية التي تضع القوة الصلبة كخيار أول ودائم. هذا التوجه يتجلى في فرض الرسوم الجمركية الأحادية واستخدام التهديدات الاقتصادية كوسيلة لإجبار الحلفاء والشركاء على تقديم تنازلات.

كما لفت المقال إلى التوسع في استخدام القوة العسكرية في ساحات غير تقليدية، مثل العمليات التي استهدفت مهربي مخدرات في منطقة الكاريبي والمحيط الهادئ. هذه التحركات تمت في كثير من الأحيان دون تقديم أدلة قانونية كافية، ومع اعتراف ضمني بأنها لن تنهي تجارة المخدرات بشكل جذري.

وتطرق التحليل إلى اللغة الهجومية التي باتت تسم الخطاب السياسي الأمريكي تجاه قادة العالم، بمن فيهم الحلفاء مثل الرئيس الأوكراني. حيث يتم التعامل مع العلاقات الدولية بمنطق الصفقات المباشرة، مع غياب واضح للمبررات الأخلاقية أو القانونية التي كانت تغلف بها واشنطن تحركاتها سابقاً.

ويرى الكاتب أن الإدارة الحالية تبدو مستعدة لإظهار القوة بشكل عارٍ ودون مواربة، وهو ما يمثل خروجاً عن النمط التاريخي الذي كان يحرص على إضفاء الشرعية الدولية. هذا السلوك أدى إلى تقويض الصورة الذهنية للولايات المتحدة كدولة تحترم القوانين والمؤسسات الدولية التي ساهمت هي نفسها في بنائها.

ولم يقتصر التراجع على الخطاب السياسي، بل امتد ليشمل تفكيك المؤسسات التي تمثل أذرع القوة الناعمة، وفي مقدمتها الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية. كما شملت السياسات تقليص ميزانيات المؤسسات الإعلامية والدبلوماسية التي كانت تشكل جسور التواصل الثقافي مع شعوب العالم.

إن الانسحاب الأمريكي من المنظمات الدولية وتقليص المشاركة في القضايا متعددة الأطراف أدى إلى فراغ استراتيجي كبير. هذا الفراغ استغلته قوى منافسة، وعلى رأسها الصين، التي بدأت في تحسين صورتها الخارجية وتقديم نفسها كبديل أكثر استقراراً في مجالات الدبلوماسية الثقافية.

ويحذر وولت من أن تقسيم العالم إلى 'رابحين' و'خاسرين' يضعف قدرة واشنطن على كسب تأييد الشعوب على المدى الطويل. فالتركيز على النتائج الفورية والصفقات العابرة يدمر الثقة التراكمية التي بنيت عبر عقود، ويجعل الحلفاء يشعرون بعدم الأمان تجاه النوايا الأمريكية المستقبيلة.

واستشهد المقال بنماذج تاريخية ناجحة مثل 'خطة مارشال' وتأسيس حلف الناتو، حيث كانت القوة العسكرية مدعومة برؤية سياسية واقتصادية شاملة. هذه النجاحات لم تكن لتتحقق لولا التوازن الدقيق بين القدرة على الردع والقدرة على الإلهام والجذب الثقافي والقيمي.

في المقابل، يربط الكاتب بين الإخفاقات الكبرى في فيتنام والعراق وأفغانستان وبين الاعتماد المفرط على الآلة العسكرية كأداة وحيدة للحسم. فغياب استراتيجية القوة الناعمة في تلك الصراعات جعل من المستحيل تحقيق استقرار سياسي أو كسب ولاء المجتمعات المحلية رغم التفوق الميداني.

إن النظر إلى التسويات الدبلوماسية بوصفها علامة ضعف يمثل إشكالية جوهرية في الفكر السياسي الحالي لواشنطن. فالتاريخ يثبت أن أعظم الانتصارات الأمريكية، بما في ذلك إنهاء الحرب الباردة، كانت نتاج مفاوضات معقدة ومزيج من الضغوط والحوافز، وليس مجرد استعراض للقوة.

واختتم وولت تحذيره بالتأكيد على أن استمرار هذا النهج سيجعل من الصعب مستقبلاً الفصل بين 'أمريكا النموذج' وأفعال سياساتها المتقلبة. فإذا فقدت الولايات المتحدة جاذبيتها كفكرة، فإن تفوقها العسكري وحده لن يكون كافياً للحفاظ على مكانتها في نظام دولي يزداد تعقيداً وتنافساً.

دلالات

شارك برأيك

أفول 'قوة الجذب': كيف استبدلت واشنطن الدبلوماسية الناعمة بالآلة العسكرية؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.