عربي ودولي

الأحد 03 مايو 2026 7:38 صباحًا - بتوقيت القدس

الدور الباكستاني في الوساطة بين طهران وواشنطن: دلالات الجغرافيا وحسابات السياسة

برزت باكستان في الآونة الأخيرة كدولة محورية تلعب دور الوسيط والراعي لمسارات التفاوض المباشر وغير المباشر بين طهران وواشنطن. ومنذ انطلاق الجولة الأولى التي جمعت الوفدين الأمريكي والإيراني في إسلام آباد، ظهرت الدولة كراعٍ وازن قادر على فتح قنوات دبلوماسية موازية لحماية الحل السياسي.

يعتبر اختيار باكستان لاحتضان هذه المفاوضات مؤشراً يحمل دلالات سياسية كبرى، حيث ينسجم هذا الدور مع تعقيدات المشهد العسكري والأمني في المنطقة. وقد غادر الوفدان الأمريكي والإيراني العاصمة الباكستانية بعد جولة أولى لم تكتمل مساراتها، إثر قرار الوفد الأمريكي قطع المفاوضات والمغادرة غاضباً.

تُعزى أسباب تعثر الجولة الأولى إلى ما وصفته مصادر مطلعة بسياسة التعنت والشروط المتبادلة، حيث تصر طهران على رفع الحصار البحري الأمريكي عن موانئها. وفي المقابل، يبدي الجانب الأمريكي ضغوطاً كبيرة لتحصيل تنازلات فورية، مما وضع العملية التفاوضية في مهب صراع الإرادات.

تبذل الدبلوماسية الباكستانية جهوداً حثيثة ومكثفة مع أطراف إقليمية ودولية لإعادة الطرفين إلى طاولة التفاوض في جولة ثانية مرتقبة. وتتحرك إسلام آباد في هذا الإطار مدعومة بعلاقاتها الاستراتيجية مع قوى كبرى مثل الصين وروسيا، بالإضافة إلى تنسيقها مع دول وازنة كالسعودية ومصر وتركيا.

يرى مراقبون أن الطريق إلى إسلام آباد لا يزال مزروعاً بالألغام والأفخاخ السياسية التي يضعها كلا الطرفين، رغم إلحاح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على إنجاز اتفاق سريع. وتدرك باكستان أن فشل هذه الجهود قد يعني العودة إلى خيارات التصعيد العسكري التي ستكون لها تداعيات وخيمة على مستقبل الإقليم.

في سياق المواقف الدولية، برزت تصريحات المستشار الألماني فريدريتش ميرتس التي وجهها إلى ترامب، محذراً من المتاهة الأمريكية والإسرائيلية في التعامل مع الملف الإيراني. ووصف ميرتس إيران بأنها أقوى مما كان يُعتقد سابقاً، معتبراً أن واشنطن تفتقر إلى استراتيجية تفاوضية مقنعة.

اعتبر محللون أن كلام المستشار الألماني يمثل سقوطاً للغطاء الأوروبي الأخير عن السياسات الأمريكية تجاه طهران. وفي ذات السياق، أشارت مصادر إعلامية عبرية إلى أن ترامب نفسه بدأ يشعر بالسأم من استمرار حالة الحرب، ويبدي رغبة واضحة في إنهاء الصراع عبر اتفاق سياسي.

على الجانب الآخر، تبرز إسرائيل كمعارض شرس لأي دور باكستاني في الإقليم، حيث ترفض حكومة اليمين المتطرف في تل أبيب أي تقارب قد يفضي إلى تهدئة. ويسعى بنيامين نتنياهو للتأثير على صانع القرار في البيت الأبيض لدفع الأمور نحو مواجهة شاملة بدلاً من الحلول الدبلوماسية.

تستند باكستان في وساطتها إلى أدوات مهنية محترفة ورؤية شاملة للصراع في الشرق الأوسط، معتمدة على مفهوم «الرابطة الإسلامية» الحاضر بقوة. كما تلعب علاقاتها العميقة مع الرياض والقاهرة وأنقرة دوراً حيوياً في تقريب وجهات النظر مع الجانب الإيراني وتضييق فجوة الخلاف.

تمثل الجغرافيا عاملاً حاسماً في الدور الباكستاني، حيث تمتلك البلاد حدوداً برية مشتركة مع إيران تمتد لنحو 900 كيلومتر. وتبرز أهمية هذه الحدود في ظل المحاولات الأمريكية لإحداث فوضى داخلية في إيران، وتشديد الحصار البحري الذي يجعل المنافذ البرية شريان حياة استراتيجي.

كشفت التوترات الإقليمية الأخيرة عن متانة التحالف العسكري والاقتصادي بين باكستان والصين، خاصة في ظل مبادرة «حزام وطريق». هذا التعاون الوثيق جعل باكستان أكثر اقتراباً من المعسكر الشرقي، في حين تظهر الهند كحليف أوثق للولايات المتحدة وإسرائيل في المنطقة.

إن الانزياح الباكستاني نحو الانخراط في قضايا الشرق الأوسط كوسيط وازن يعد مؤشراً استراتيجياً يسير في اتجاهات تعاكس المخططات الرامية لتقسيم المنطقة. وتسعى إسلام آباد من خلال هذا الدور إلى منع إعادة ترسيم خرائط الإقليم وفقاً للأطماع والمشاريع التوسعية التي تهدد استقرار الدول.

يبقى سيناريو نجاح الوساطة الباكستانية رهناً بتجاوز عثرات التفاوض الفني والسياسي بين واشنطن وطهران. ففي حال استمرار التعنت، قد ينزلق الصراع مجدداً إلى حالة من استنزاف الموارد، أو الدخول في وضعية «لا سلم ولا حرب» التي تنهك كافة الأطراف المعنية.

ختاماً، تدرك باكستان وأطراف الصراع أن المواجهة الحالية تتجاوز الأبعاد الدبلوماسية لتصل إلى مستوى صراع الوجود والبقاء. ومن هنا تنبع أهمية التمسك بخيوط الأمل السياسي التي تقودها إسلام آباد، كبديل وحيد لتجنب انفجار شامل قد لا تحمد عقباه في المنطقة والعالم.

دلالات

شارك برأيك

الدور الباكستاني في الوساطة بين طهران وواشنطن: دلالات الجغرافيا وحسابات السياسة

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.