اسرائيليات

السّبت 02 مايو 2026 12:38 مساءً - بتوقيت القدس

تآكل المناعة الداخلية: كيف نجحت إيران في تجنيد عشرات الإسرائيليين بعد السابع من أكتوبر؟

شهدت الساحة الأمنية داخل دولة الاحتلال تصاعداً لافتاً في وتيرة الاختراقات الاستخباراتية الإيرانية منذ أحداث السابع من أكتوبر 2023. وأفادت مصادر إعلامية بأن سلطات الاحتلال تمكنت من كشف عشرات الإسرائيليين الذين انخرطوا في أنشطة تجسسية وأمنية لصالح طهران خلال الأشهر الماضية.

ونتيجة لهذا التزايد العددي في قضايا التجسس، اضطرت مصلحة السجون الإسرائيلية إلى افتتاح جناح جديد مخصص لهؤلاء العملاء في سجن دامون بمدينة حيفا. وتعكس هذه الخطوة حجم التحدي الأمني الجديد الذي يواجه الأجهزة الاستخباراتية في التعامل مع ملف التجنيد الداخلي.

ووفقاً لمعطيات رسمية نقلتها مصادر أمنية، فقد جرى اعتقال ما لا يقل عن 45 مشتبهاً به في إطار 25 قضية منفصلة. وقد وُجهت لوائح اتهام رسمية إلى 40 شخصاً منهم، مما يؤكد جدية التهديدات التي باتت تشكلها هذه الشبكات على المنظومة الأمنية.

وأظهرت تقارير سنوية صادرة عن جهاز الأمن العام 'الشاباك' قفزة هائلة في محاولات التجنيد، حيث سجل عام 2025 ارتفاعاً بنسبة 400% مقارنة بالعام الذي سبقه. ويأتي هذا الارتفاع استكمالاً لمنحنى تصاعدي بدأ منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة وتوسع المواجهة مع إيران.

وتشير البيانات إلى تحول نوعي في هوية المتورطين، إذ إن غالبية المعتقلين في القضايا الأخيرة هم من الإسرائيليين اليهود. ويعد هذا التطور خروجاً عن النمط التقليدي الذي كان يركز سابقاً على محاولات تجنيد فلسطينيي الداخل أو عناصر مرتبطة بجهات خارجية.

ويرى الخبير في الشأن الإسرائيلي إيهاب جبارين أن الدوافع المالية تتصدر أسباب هذا السقوط الأمني، خاصة لدى الفئات الهامشية. وأوضح أن 'المال السهل' بات يغري الأفراد المثقلين بالديون للقيام بمهام تصوير منشآت حساسة أو جمع معلومات ميدانية مقابل مبالغ نقدية.

وإلى جانب العامل المادي، يلعب التحول الرقمي دوراً محورياً في تسهيل مهمة الاستخبارات الإيرانية للوصول إلى أهدافها. حيث يتم التجنيد عبر حسابات وهمية على منصات التواصل الاجتماعي واستخدام تطبيقات محادثة مشفرة تضمن سرية التواصل بين العميل ومشغليه.

ويعتقد جبارين أن الحرب لم تخلق هذه الظاهرة من العدم، بل عملت كمحفز وسرعت من وتيرة انتشارها بشكل كبير. فقد أدت الضغوط الاقتصادية والإنهاك الاجتماعي الناتج عن استمرار القتال إلى إضعاف العقد الاجتماعي وتآكل المناعة النفسية للمجتمع الإسرائيلي.

ويبرز 'الشرخ النفسي والسياسي' كعامل ثالث ساهم في اهتزاز الثقة بالمؤسسات الرسمية والأمنية بعد الإخفاقات الكبرى في أكتوبر. هذا الاهتزاز جعل بعض الأفراد أكثر قابلية للانتقال من حالة اللامبالاة الوطنية إلى التعاون المباشر مع جهات معادية.

وتشير التحليلات إلى أن طهران غيرت استراتيجيتها من محاولة الضرب من الخارج إلى بناء قدرات داخلية عبر وكلاء محليين منخفضي التكلفة. هؤلاء الوكلاء، رغم بساطة المهام الموكلة إليهم، يوفرون معلومات ميدانية لا يمكن للتقنيات المتقدمة والأقمار الصناعية رصدها بدقة.

ويمثل تورط عناصر عسكرية في بعض هذه القضايا ذروة القلق لدى المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، لما يمثله من تهديد مباشر للثقة الداخلية. فوصول العملاء إلى معلومات من داخل الوحدات الحساسة يرفع من كلفة الحماية ويستنزف موارد الأجهزة الاستخباراتية في عمليات المراقبة والتدقيق.

إن إعلان سلطات الاحتلال المتكرر عن إحباط هذه الشبكات يحمل رسائل مزدوجة للداخل والخارج على حد سواء. فهي من جهة تحاول استعادة الثقة بقدرة 'الشاباك' على الإحباط، ومن جهة أخرى تقر بوجود زخم غير مسبوق لهذه الاختراقات التي لم يعد ممكناً إخفاؤها.

وتؤكد المصادر أن هذه التطورات تضرب السردية الإسرائيلية التي تفترض وحدة الجبهة الداخلية في مواجهة التهديدات الوجودية. فظهور 'الإنسان المتشقق' الذي يبيع أمن دولته مقابل حفنة من الدولارات يعكس أزمة عميقة في الانتماء والتماسك المجتمعي.

وفي نهاية المطاف، تظل هذه الظاهرة مرشحة للتوسع طالما استمرت عوامل الضغط الاقتصادي والسياسي والاجتماعي. وتجد الأجهزة الأمنية نفسها في سباق مع الزمن لسد الثغرات التي تفتحها التكنولوجيا وتغذيها الأزمات البنيوية داخل مجتمع الاحتلال.

دلالات

شارك برأيك

تآكل المناعة الداخلية: كيف نجحت إيران في تجنيد عشرات الإسرائيليين بعد السابع من أكتوبر؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.