أقلام وأراء

الجمعة 01 مايو 2026 7:23 مساءً - بتوقيت القدس

أزمة الرابطة التونسية لحقوق الإنسان: بين الدور المدني والتوظيف السياسي

دخلت تونس منذ الخامس والعشرين من تموز/ يوليو 2021 مرحلة سياسية مفصلية أطلق عليها أنصارها اسم 'تصحيح المسار'. وقد أثارت هذه المرحلة انقساماً حاداً في التوصيف بين من يراها انقلاباً على الدستور ومن يعتبرها ضرورة فرضها الخطر الداهم على الدولة.

لعبت ما تُسمى بـ'القوى الديمقراطية' دوراً محورياً في التمهيد لهذا المسار الجديد ومنحه الشرعية النخبوية اللازمة. وقد ساهم هذا التعامد الوظيفي بين النخب والنظام الجديد في تمرير قرارات نقضت مكتسبات عشرية الانتقال الديمقراطي التي تلت الثورة.

بدأت الأزمات المفتوحة بين السلطة والمنظمات النقابية والحقوقية تظهر بوضوح بعد صدور الأمر الرئاسي عدد 117 في سبتمبر 2021. ورغم الخدمات التي قدمتها هذه الأجسام الوسيطة للنظام، إلا أنها وجدت نفسها في مواجهة مع منطق سياسي جديد لا يؤمن بالشراكة.

اعتبرت أغلب القوى الديمقراطية إجراءات يوليو فرصة ذهبية لإعادة هندسة المجال السياسي عبر استبعاد حركة النهضة وحلفائها. وكان الهدف من ذلك بناء شراكة استراتيجية مع مشروع الرئيس، على غرار ما حدث في حقبات سياسية سابقة شهدتها البلاد.

أثبت الواقع أن هذه الانتظارات لم تكن مبنية على فهم دقيق لمنطق السلطة الحالية التي تتبنى سردية 'البديل' لا 'الشريك'. فالسلطة ترى في الأجسام الوسيطة المستقلة عائقاً أمام مشروع الديمقراطية المباشرة والمجالسية التي تبشر بها.

لم تكن الرابطة التونسية لحقوق الإنسان، التي تأسست عام 1977، بعيدة عن هذا الوعي الذي أخطأ في قراءة المشهد. فقد توهمت الرابطة أن إقصاء الإسلاميين سيسمح لها بالحصول على فتات السلطة والامتيازات الرمزية بعيداً عن الاحتكام للإرادة الشعبية.

تُطرح تساؤلات جوهرية حول ما إذا كانت العشرية الماضية 'سوداء' حقاً على المجتمع المدني أم أنها كانت 'ربيعاً مدنياً'. فالمؤشرات تدل على أن المنظمات تمتعت بهامش حرية واسع لم تستثمره في بناء مشترك مواطني جامع لكل التونسيين.

يُتهم المجتمع المدني في تونس بالتحول إلى فاعل سياسي يخدم أجندات داخلية وخارجية أساسها معاداة تيار سياسي بعينه. وقد أدى هذا التوجه إلى ضرب أي مشروع ديمقراطي يتجاوز الصراعات الهوياتية الضيقة التي استنزفت طاقة الدولة.

تفسر مواقف الرابطة والمنظمات المماثلة بمصفوفات مشاعر وصور نمطية تضخم خطر الإسلاميين على الحريات الفردية. هذا الوعي جعل من التناقض مع حركة النهضة قضية وجودية تفوق في أهميتها مواجهة منظومة الاستعمار الداخلي وخياراتها الفاشلة.

غابت الحقوق والحريات الجماعية عن أجندة هذه المنظمات عندما تعلق الأمر بخصومها الأيديولوجيين، بينما حضرت باستحياء عند استهداف 'الديمقراطيين'. هذا الانتقائي في الدفاع عن حقوق الإنسان أضعف المصداقية الأخلاقية لهذه الأجسام الوسيطة أمام الشارع.

تحول المجتمع المدني إلى فاعل سياسي لملء الفراغ الذي تركه حل الحزب الحاكم بعد الثورة وعجز الأحزاب الصغيرة عن المنافسة. وأريد لهذا الدور أن يضعف حركة النهضة ويبقي الهوة واسعة بين تمثيليتها الشعبية وقدرتها على الحكم الفعلي.

كرست الرابطة واتحاد الشغل ونقابة الصحفيين علاقات تهدف لتكريس صورة نمطية سلبية عن 'الخوانجية' تقوم على التمييز الثقافي. هذا الإقصاء الثقافي جعل من المستحيل استدماج كافة الأطياف في عائلة ديمقراطية واحدة تعترف بالآخر كشريك في الوطن.

ظنت الرابطة وغيرها من المنظمات أن قوتها خلال سنوات الانتقال كانت قوة ذاتية نابعة من تأثيرها الشعبي أو الحقوقي. والحقيقة أنها كانت قوة مشتقة من توازنات المنظومة القديمة التي استخدمتها كديكور مؤسساتي لتزييف الوعي بقضايا هوياتية جانبية.

الخطأ القاتل لهذه المنظمات كان توهمها بأنها شريك في 'تصحيح المسار'، بينما كان المشروع يهدف أساساً لإلغاء الحاجة إليها. والنتيجة اليوم هي وصول هذه الأجسام إلى حالة من 'الموت السريري' بعد أن استنفدت السلطة حاجتها الوظيفية إليها.

دلالات

شارك برأيك

أزمة الرابطة التونسية لحقوق الإنسان: بين الدور المدني والتوظيف السياسي

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.