كشفت أوساط عسكرية في دولة الاحتلال، للمرة الأولى منذ سريان تفاهمات وقف إطلاق النار، عن وجود نقص تدريجي ومقلق في مخزونات صواريخ الاعتراض من طراز 'آرو 3'. وتأتي هذه الاعترافات في ظل صمت مطبق من وزارة المالية حيال مطالبات المؤسسة الأمنية بزيادة الميزانيات المخصصة للإنتاج الحربي، وهو ما يعكس عمق الأزمة الهيكلية في إدارة الموارد العسكرية خلال المواجهات الطويلة.
وذكرت مصادر اقتصادية عبرية أن اللجنة الوزارية للاستحواذ، التي يرأسها وزير الحرب يسرائيل كاتس، أقرت مؤخراً خطة تهدف إلى التسريع الكبير في وتيرة تصنيع صواريخ 'آرو 3'. وتسمح هذه الموافقة لشركة الصناعات الجوية الإسرائيلية بالتعاقد على شراء كميات إضافية وتطوير البنية التحتية اللازمة لدعم خطوط الإنتاج، وذلك بعد تأخيرات وصفت بالخطيرة في ظل التهديدات الباليسيتية المستمرة.
وتحيط السرية التامة بتفاصيل الصفقة الجديدة من حيث عدد الصواريخ أو النطاق الزمني للتسليم لأسباب تتعلق بأمن المعلومات القومي. ومع ذلك، تشير التقديرات إلى أن قيمة الصفقات السابقة بلغت مليارات الدولارات، حيث تتجاوز تكلفة الصاروخ الواحد من هذا الطراز حاجز المليوني دولار، مما يجعله عبئاً اقتصادياً ثقيلاً على الميزانية العامة.
وأوضحت المصادر أن منظومة 'آرو' الدفاعية شكلت الركيزة الأساسية في التصدي للهجمات الصاروخية القادمة من جبهات بعيدة مثل إيران واليمن منذ أحداث السابع من أكتوبر. وقد شدد قادة المؤسسة العسكرية، وعلى رأسهم مدير عام مكتب وزير الأمن أمير برعام، على ضرورة اتخاذ قرارات فورية لضمان عدم استنزاف القدرات الدفاعية الجوية بشكل كامل.
وتخفي التصريحات الرسمية الرنانة خلفها صراعاً مريراً بين وزارتي الأمن والمالية حول آليات التمويل، حيث ترفض المالية منح 'شيكات مفتوحة' للجيش. وترى وزارة المالية أن ميزانية الدفاع تضخمت بشكل خرج عن السيطرة، وتطالب المؤسسة العسكرية بإيجاد مصادر تمويل داخلية من ميزانيتها الضخمة الحالية قبل طلب مخصصات إضافية.
في المقابل، تحذر المؤسسة العسكرية من أن المواجهات الصاروخية السابقة لم تكن سوى مقدمة لحروب أكثر تعقيداً وكثافة في المستقبل. وتؤكد المصادر أن هذا الخلاف المالي أدى بالفعل إلى تجميد أوامر الشراء لعدة أشهر، مما أثر بشكل مباشر على الجاهزية العملياتية لسلاح الجو ومنظومات الدفاع الجوي المتطورة.
ولجأ جيش الاحتلال مؤخراً إلى تعديل سياسات الاعتراض الجوي كإجراء تقشفي للحفاظ على ما تبقى من مخزون صواريخ 'آرو'. وشملت هذه السياسة الاعتماد بشكل أكبر على منظومة 'مقلاع داود' لاعتراض الأهداف في مستويات منخفضة، رغم أن هذا الخيار يحمل مخاطر أمنية أكبر تتعلق بتناثر الشظايا فوق المناطق المأهولة.
تسريع الإنتاج وتوسيع نطاق تجهيز الصواريخ خطوة أساسية لضمان استمرار تفوق الجيش على أعدائه وتعزيز دفاعات الجبهة الداخلية.
وتشير التقارير التقنية إلى أن اعتراض الصواريخ خارج الغلاف الجوي بواسطة 'آرو 3' يضمن احتراق معظم الشظايا قبل وصولها للأرض. أما الاعتراض المنخفض بواسطة 'مقلاع داود' فقد يؤدي إلى سقوط ذخائر فرعية ورؤوس حربية مشتتة على مساحات واسعة، مما يتسبب في دمار مادي كبير وإصابات في صفوف المدنيين.
وبحسب تقرير صادر عن معهد الأبحاث البريطاني 'RUSI'، فإن وضع المخزونات الاستراتيجية لدى الاحتلال والولايات المتحدة وصل إلى مستويات حرجة. التقرير أكد أن مخزون صواريخ 'آرو' تراجع بنسبة تصل إلى 80%، بينما فقدت منظومة 'مقلاع داود' نحو 55% من صواريخها الجاهزة للاستخدام منذ اندلاع الحرب.
ولم يقتصر النقص على الصناعات المحلية، بل امتد ليشمل منظومة 'ثاد' الأمريكية التي تم نشرها لدعم الدفاعات الإسرائيلية، حيث انخفض مخزونها إلى النصف. هذا التآكل السريع في القدرات الاعتراضية يضع ضغوطاً هائلة على صانع القرار السياسي والعسكري في تل أبيب للبحث عن بدائل سريعة أو تهدئة الجبهات.
وعلى الرغم من استمرار خطوط الإنتاج في العمل دون توقف منذ أكتوبر 2023، إلا أن الطلب المتزايد فاق القدرة على التوريد. وقد زادت وتيرة الإنتاج بشكل ملحوظ بعد الهجمات الصاروخية الإيرانية المباشرة في أبريل 2024، في محاولة لتعويض النزيف الحاد في المخزونات الاستراتيجية.
ومن المثير للاهتمام أن صفقات تصدير خارجية ساهمت في إبقاء خطوط الإنتاج تعمل، حيث تضاعف إنتاج 'آرو 3' ثلاث مرات بفضل طلبيات ضخمة من ألمانيا. وبلغت قيمة الصفقات الألمانية نحو 6.5 مليار دولار، استخدمت دفعاتها المقدمة لتمويل استمرار الإنتاج المنتظم وتوسيع المصانع التابعة للصناعات الجوية.
ويعتقد مسؤولون عسكريون أن الموافقة على الصفقة الجديدة مطلع هذا الأسبوع ستدفع باتجاه زيادة معدلات الإنتاج بشكل أكبر خلال الأشهر المقبلة. ومع ذلك، يبقى التحدي الأكبر هو الموازنة بين الالتزامات الدولية للتصدير وبين الاحتياجات العملياتية العاجلة للجيش الإسرائيلي الذي يواجه تهديدات متعددة الساحات.
ختاماً، تظل أزمة الصواريخ الاعتراضية شاهداً على كلفة الحرب الطويلة التي لم يحسب الاحتلال حسابها بدقة من الناحية اللوجستية والمالية. وبينما تستمر المزايدات السياسية، يبقى الميدان محكوماً بمدى قدرة الصناعات العسكرية على سد الفجوة قبل وقوع أي مواجهة شاملة قادمة قد تختبر هذه المنظومات إلى أقصى حدودها.





شارك برأيك
أزمة صواريخ اعتراضية تضرب منظومة الدفاع الإسرائيلية وخلافات مالية تعطل الإنتاج