لا أكتب هذا المقال لإخافة أحد، ولا للانتقاص من التكنولوجيا وأهميتها؛ فالتكنولوجيا كانت وما زالت ركيزة التطور الإنساني، وأداةً مهمة لخدمة البشرية ورفعتها، وتعزيز اقتصاد المعرفة، وتوسيع الآفاق الآدمية وصولاً إلى تحقيق الرخاء البشري الكامل في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والعلمية وغيرها من المحاور المهمة.
لكن نبل الهدف الذي أوجدت من أجله التكنولوجيا في حياتنا لم يكن المسار الوحيد الذي اتخذته البشرية بكل أسف، بل قرر البعض توظيف مخرجات التكنولوجيا وأدواتها للانتقال من البناء إلى الهدم، ومن منصة للإنقاذ إلى معول للدمار، خدمة لمطامع أصحاب النفوذ ومطامحهم المالية.
وبين هذا وذاك، فإن المشكلة لم تكن يومًا في التكنولوجيا، بل في العقل الذي ينقلها من مساحات الخير إلى مربعات الشر بصورة تعززت معها دوائر الدمار مع تطور التكنولوجيات المختلفة، وكأن أرباب الشر يترصدون تنامي القدرات التقنية لتنفيذ مطامحهم الشيطانية. ومع تطور الذكاء الاصطناعي، وأجيال الاتصالات المتتابعة والهواتف المحمولة وتقنيات الإنترنت والأنظمة الذاتية، والحوسبة المتقدمة، لم تعد الاحتمالات الشيطانية نظرية، بل أصبحت واقعًا تشهد تصاعده البشرية يومًا بعد يوم.
لننظر، إلى الطائرات المسيّرة كمثال، وهي التقنية التي بدأت لأغراض مدنية وإنسانية هدفت لنقل الإنسان إلى أماكن لم يستطع يوماً الوصول إليها لتحقيق التطور التنموي المنشود في قطاعات الزراعة، والإغاثة، وجودة البيئة والظواهر الطبيعية وصناعة السينما وغيرها الكثير -إلا أن الاهداف الآدمية المنشودة ما لبثت أن تحوّلت في بعض السياقات إلى أدوات للقتل عن بُعد ليغيب الجنود التقليديون، ويحل مكانهم مشغّل تقني خلف شاشة محصنة، يمتلك بعض الخبرة التقنية والدراية الكافية لإدارة المشهد الخوارزمي والتحكم بالقرار، دونما أدنى تقدير للبُعد الإنساني. بهكذا نهج يصبح القتل أقرب إلى "قرار فني" متجرد من المشاعر والأحاسيس والقيم.
ومع هكذا تطور يتصاعد مفهوم "الأسلحة الخوارزمية" عبر الذكاء الاصطناعي والقادرة على تحليل البيانات الضخمة، وتحديد الأهداف، بل والتنبؤ بسلوك الأفراد وارتباطهم الروتيني بالمربعات المستهدفة والوصول النهائي لتحقيق مبتغى مطوري هكذا أسلحة.
المهم بالنسبة لمشغلي أسلحة الموت أن يتحللوا من أي روادع قانونية، ليتمكنوا من التصرف خارج إطار القانون والأخلاق، والابتعاد عن أدوات المراقبة والقمع، بحيث يتمكنون من تتفيذ أهدافهم بدقة عبر تحقيق التمازج الدقيق بين عوالم الرياضيات والفيزياء والكيمياء وغيرها، وخلق وتسخير توليفة محوسبة بعيدة كل البعد عن أي سياق إنساني.
ويعزز هكذا نهج ما يشهده الفضاء الرقمي من تطور قاد البشرية نحو تعزيز الهجمات السيبرانية التي تجاوزت حدود الجريمة الرقمية واختراقات المواقع الإلكترونية، فأصبحت قادرة على التحكم بأنظمة مالية وبنوك ومنشآت وبنى تحتية ورادارات ومعدات عسكرية وطبية ومستشفيات وشبكات للكهرباء، وأنظمة مياه وقائمة لم ولن تنتهي من مساحات الاستهداف.
تخيل، إذاً، القدرة على سرقة الحسابات البنكية و التحكم بمحطات نووية والسيطرة الاعتراضية على الصواريخ الباليستية. تخيل لو توقفت محطات الكهرباء والمياه والطاقة البديلة، أو حتى دمرت الأنظمة الصحية مع تعرض المشافي لهجمات رقمية، أو أن تُقطع الكهرباء عن دول كاملة، أو حتى تتعطل إشارات المرور وأنظمة التحكم الذاتي بمحطات تكرير المياه وقائمة لا تنتهي من الاحتمالات والأهداف.
كما لا يمكن اليوم أيضاً وباختصار شديد تجاهل الخشية من سوء التحكم بالأسلحة البيولوجية والجرثومية المدعومة بالتكنولوجيا، عبر توظيف الهندسة الجينية، لتنفيذ مهمات خطيرة قادرة على توسيع الدمار البشري، وتعديل الفيروسات أو البكتيريا وحقنها في البشر بصورة تضاعف حجم التهديد.
كل هذه الأمثلة لا تهدف إلى الإساءة للتكنولوجيا أو زرع الخوف منها، بل إلى طرح سؤال مصيري: هل تطورت أخلاق البشرية بقدر ما تطورت إمكاناتها العلمية؟ وهل من الممكن فرض الأطر القانونية والعدلية الرقابية اللازمة؟ أم ان القوي في هذا العالم هو من يقرر ويتصرف كيفما يشاء؟ وهل تستمر البشرية في الركض وراء الحاجة الملحة للابتكارات دونما أن تعزز مسعاها بمنظومة أخلاقية وقانونية تهتم بالنتائج وتقود نحو ولادة بيئة تنظيمية واضحة يُضبط إيقاعها من خلال التوقيع على مدونة سلوك دولية تنأى بالتكنولوجيا عن الموت والدمار؟
مسؤوليتنا الآدمية ضخمة وضخمة جداً، تبدأ من العلماء وتتقاطع مع صناع القرار، مرورًا بالمطورين، ووصولًا إلى المواطن المسكين.
يجب أن لا تسمح البشرية للتكنولوجيا أن تتصرف كأنها كيان مستقل، بل انعكاس واضح للقيم والخيارات المرتبطة بحق البشر في الرخاء، لا في صناعة الموت، بحيث تتجنب أيّ انزلاقات أخلاقية، قد تصعب محاصرتها لاحقًا.
على البشرية، ختاماً، ان تناضل لتوجيه التكنولوجيا لخدمة الإنسان، لا أن تتحول إلى منصة ضده! البداية فينا وليس بالآلات. للحديث بقية!





شارك برأيك
تكنولوجيا القتل... أين وصلت؟