أقلام وأراء

الثّلاثاء 31 مارس 2026 2:18 مساءً - بتوقيت القدس

مراجعات في الفقه السياسي: كيف تحول 'تضخيم الرئاسة' إلى تهميش لدور الأمة؟

تفتح الورقة البحثية للدكتور عبد المجيد النجار باباً واسعاً للمراجعة النقدية في بنية الفقه السياسي الإسلامي، منتقلة من التنظير إلى تشريح القضايا المركزية التي صاغت واقع الحكم عبر التاريخ. ويرى الباحث أن الموروث الفقهي ساهم في تضخيم مؤسسة رئاسة الدولة على حساب دور الأمة، مما أنتج اختلالات عميقة في الثقافة والممارسة السياسية المعاصرة.

ويشير النجار إلى أن الشروط المثالية التي وضعها الفقهاء الأوائل لمنصب الإمام، مثل الاجتهاد المطلق والنقاء الأخلاقي، تحولت بمرور الوقت إلى مبرر لتوسيع الصلاحيات. وبدلاً من أن تكون هذه الصفات ضمانة للعدل، أدت إلى منح الرئيس سلطات شبه مطلقة، مع تهميش واضح لأحكام الشورى التي بقيت في إطار 'المعلم' لا 'الملزم'.

وتنتقد الدراسة غياب الآليات الرقابية الفعالة في التراث الفقهي، حيث اقتصرت المحاسبة غالباً على 'المناصحة الوعظية' التي تفتقر لصفة الإلزام القانوني. هذا الوضع جعل منصب الرئاسة محاطاً بهالة من القداسة، وصعّب من إجراءات العزل حتى في حالات الضرورة القصوى أو فقدان الأهلية.

وفي قراءة لنصوص الفقهاء مثل الماوردي والفراء، يستعرض الباحث كيف تم التشدد في شروط عزل الحاكم بدعوى 'اتقاء الفتنة'. وقد وصل هذا التشدد إلى حد إجازة استمرار الحاكم في منصبه رغم إصابته بخلل عقلي جزئي أو جرح في عدالته، وهو ما يصفه النجار بالرأي 'المنتهي الفساد'.

وتنتقل الورقة إلى قضية 'سلطان الأمة'، موضحة كيف تم استبعاد الجماهير عن حقها في اختيار حاكمها عبر أدوات فقهية مستحدثة. ومن أبرز هذه الأدوات مفهوم 'أهل الحل والعقد' الذي ظل مصطلحاً هلامياً غير محدد المعالم، مما سمح باختزال إرادة الأمة في فئة قليلة جداً.

ويستشهد الباحث بآراء إمام الحرمين الجويني الذي ذهب إلى إمكانية انعقاد الإمامة بمبايعة رجل واحد فقط إذا كان مطاعاً وذا شوكة. ويرى النجار أن هذا التأصيل الفقهي تسرب إلى العقول وشكّل ثقافة سياسية تقوم على استبعاد العامة من دائرة القرار السياسي.

كما تتناول الدراسة 'ولاية العهد' كأداة أخرى سلبت الأمة حقها في الاختيار الحر، حيث يُسند حق اختيار الرئيس القادم للرئيس الحالي وحده. هذا النهج حوّل الخلافة إلى 'ملك عضوض' وغيّب رضا الأمة أو ممثليها الحقيقيين عن عملية انتقال السلطة.

ويربط الدكتور النجار بين هذا الموروث الفقهي والواقع السياسي الراهن، مؤكداً أن الاستبداد بالرأي والتشبث بالمواقع القيادية هو نتاج لتراكم ثقافي طويل. ويشير إلى أن هذا التأثير امتد ليشمل المؤسسات الاجتماعية والحركات السياسية بمختلف توجهاتها، سواء كانت إسلامية أو علمانية.

وتدعو الورقة إلى ضرورة العودة للنصوص الشرعية الصريحة التي تقيد تصرفات الحاكم بالشورى، مثل قوله تعالى 'وأمرهم شورى بينهم'. وتؤكد أن السيرة النبوية ونهج الخلفاء الراشدين قدما نموذجاً تطبيقياً للالتزام برأي الجماعة حتى لو خالف رأي القائد.

ويقترح الباحث استحداث مؤسسات أهلية تمتلك سلطة الشورى الملزمة والرقابة الدقيقة على أداء رئيس الدولة. ويرى أن الإيمان بالشورى وممارستها الفعلية يجب أن يكون شرطاً أساسياً لتولي المنصب، تماماً كشروط العلم والكفاءة.

كما تشدد المراجعة على ضرورة اعتبار الاستبداد بالرأي سبباً موجباً للعزل، وهو أمر غاب عن أحكام الفقه السياسي التقليدي. فالمصلحة الحقيقية تقتضي حماية الأمة من مفاسد الاستبداد التي تفوق في ضررها مخاطر التغيير السياسي.

وفيما يخص 'أهل الحل والعقد'، يرى النجار أن التفسيرات الحديثة التي تعتبرهم 'نواباً عن الشعب' هي محاولات إصلاحية لا أصل لها في التراث القديم. فالتراث كان صريحاً في استبعاد النساء والعوام وأهل الذمة من أي دور في عقد الإمامة أو اختيار الحاكم.

وتخلص الدراسة إلى أن تغيير الواقع السياسي للمسلمين يبدأ من مراجعة جذرية لهذه المفاهيم الفقهية لإعادة بناء الثقافة السياسية. فالهدف هو الوصول إلى تصور لمؤسسة الرئاسة يتسق مع قيم العدل والسيادة الشعبية التي أقرتها المقاصد الشرعية.

إن هذه المراجعة لا تهدف فقط لنقد التاريخ، بل لتأسيس فقه سياسي معاصر يواكب تطلعات الشعوب في الحرية والكرامة. فالفقه الذي نشأ في ظروف تاريخية معينة لم يعد قادراً على تلبية احتياجات الدولة الحديثة القائمة على المؤسسات والمواطنة.

دلالات

شارك برأيك

مراجعات في الفقه السياسي: كيف تحول 'تضخيم الرئاسة' إلى تهميش لدور الأمة؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.