سجلت أسعار النفط تراجعاً ملحوظاً في تداولات اليوم الجمعة، متجهة نحو تكبد خسائر أسبوعية، وذلك في أعقاب قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تمديد المهلة الممنوحة قبل شن هجمات محتملة على محطات توليد الكهرباء في إيران. وجاء هذا التحرك الأمريكي ليمنح الأسواق فترة التقاط أنفاس مؤقتة، رغم بقاء حالة القلق والترقب مسيطرة على المستثمرين في ظل غياب أي أفق لحل دبلوماسي وشيك للصراع المتصاعد في منطقة الشرق الأوسط.
وفي تفاصيل التداولات الصباحية، انخفضت العقود الآجلة لخام برنت لتستقر عند مستوى 107.97 دولار للبرميل، بينما شهد خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي تراجعاً أكبر ليصل إلى 93.65 دولار. ويعكس هذا الهبوط حالة من التذبذب، خاصة وأن خام برنت فقد نحو 4% من قيمته خلال الأسبوع الجاري، رغم المكاسب الضخمة التي حققها منذ اندلاع المواجهة العسكرية في أواخر فبراير الماضي والتي تجاوزت 48%.
وأوضحت مصادر تحليلية في سوق الطاقة أن الأسواق لا تزال تسعر النفط بناءً على التوقعات المرتبطة بطول أمد الصراع العسكري، وليس فقط بناءً على التصريحات السياسية اليومية. وحذرت المصادر من أن أي استهداف مباشر للبنية التحتية النفطية أو اتساع رقعة المواجهة قد يدفع الأسعار للقفز مجدداً وبشكل متسارع لتتجاوز المستويات القياسية الحالية.
وفي خطوة وُصفت بأنها محاولة لخفض التصعيد الميداني، أعلن البيت الأبيض عن تمديد مهلة إعادة فتح مضيق هرمز الاستراتيجي حتى السادس من نيسان/أبريل المقبل. ويأتي هذا التمديد كفرصة أخيرة قبل تنفيذ ضربات جوية وصاروخية هددت بها واشنطن ضد منشآت الطاقة الإيرانية، في محاولة للضغط على طهران للقبول بالشروط الأمريكية المطروحة عبر الوساطة الإقليمية.
وعلى الصعيد الميداني، تشير التقارير إلى تحركات عسكرية أمريكية مكثفة، حيث تم إرسال آلاف الجنود الإضافيين إلى المنطقة لتعزيز الوجود العسكري. وتدرس القيادة الأمريكية إمكانية تنفيذ عمليات برية للسيطرة على جزيرة خرج، التي تعد المركز الاستراتيجي الأهم لتصدير النفط الإيراني، مما يرفع من سقف المخاطر العسكرية في المنطقة إلى مستويات غير مسبوقة.
من جانبها، أبدت طهران رفضاً قاطعاً للمقترحات الأمريكية الأخيرة التي نقلتها باكستان، واصفة إياها بأنها مقترحات أحادية الجانب وتفتقر للعدالة. وأكد مسؤولون إيرانيون أن التباين في وجهات النظر لا يزال كبيراً، مما يعزز فرضية استمرار العمليات العسكرية وتأثيرها المباشر على إمدادات الطاقة العالمية التي تعاني أصلاً من نقص حاد.
وتشير بيانات وكالة الطاقة الدولية إلى أن الحرب المستمرة منذ قرابة شهر أدت إلى غياب نحو 11 مليون برميل نفط يومياً عن السوق العالمي. ووصفت الوكالة هذه الأزمة بأنها الأشد وطأة منذ صدمات النفط في سبعينيات القرن الماضي، مؤكدة أنها تجاوزت في تأثيراتها الاقتصادية تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت في سنوات سابقة.
رغم الحديث عن تهدئة محتملة، يجري تداول النفط وفق طول أمد الحرب وليس فقط تبعاً للأخبار المتداولة.
وفي سياق التوقعات المستقبلية، يرى محللون ماليون أن أسعار النفط قد تشهد انخفاضاً سريعاً في حال التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، لكنها ستظل فوق مستويات ما قبل الصراع. أما في سيناريو استمرار الحرب حتى نهاية يونيو القادم، فإن التوقعات تشير إلى إمكانية وصول سعر البرميل إلى حاجز 200 دولار، وهو ما سيمثل كارثة اقتصادية للدول المستوردة للطاقة.
وتواجه الدول الآسيوية، التي تعد المستهلك الأكبر للنفط الإيراني، ضغوطاً متزايدة دفعتها للجوء إلى مخزوناتها الاستراتيجية لتعويض النقص في الإمدادات. وبدأت حكومات تلك الدول في دراسة خطط طوارئ لتعديل مستويات الطلب المحلي وتقليص الاستهلاك، في ظل الارتفاع الجنوني للتكاليف الذي يهدد معدلات النمو الاقتصادي العالمي.
أما في أسواق العملات، فقد حافظ الدولار الأمريكي على قوته، محوماً قرب أعلى مستوياته في عدة أشهر، حيث يفضل المستثمرون اللجوء إليه كعملة ملاذ آمن في أوقات النزاعات الكبرى. واستقر الين الياباني واليورو والجنيه الإسترليني عند مستويات متباينة، وسط قناعة لدى المتداولين بأن الدولار سيظل المهيمن ما دام الصراع العسكري في الشرق الأوسط قائماً دون حل.
وشهد الذهب انتعاشة قوية اليوم الجمعة بارتفاع تجاوز 2%، مدعوماً بعمليات شراء فنية وتراجع طفيف في مؤشر الدولار خلال الجلسة. ورغم هذا الصعود، لا يزال المعدن الأصفر يتجه لتسجيل خسارة أسبوعية رابعة، حيث كان يتم التعامل معه في الأسابيع الماضية كأصل سيولة لتغطية الخسائر في قطاعات أخرى، قبل أن يعود الآن ليلعب دوره التقليدي كمخزن للقيمة.
وبلغ سعر الذهب الفوري 1,466.38 دولار للأونصة، بينما ارتفعت العقود الأمريكية الآجلة تسليم أبريل بنسبة 1.9%. وأشار خبراء في المعادن النفيسة إلى أن الطلب عاد ليرتفع بقوة مع وصول الأسعار لمستويات مغرية للشراء، رغم الضغوط التي تفرضها أسعار الفائدة المرتفعة ومعدلات التضخم التي يغذيها ارتفاع أسعار الطاقة.
وفي ذات السياق، سجلت المعادن النفيسة الأخرى مكاسب جماعية، حيث ارتفعت الفضة بنسبة 3.1% والبلاتين بنسبة 3.5%. وتعكس هذه التحركات في سوق المعادن حالة عدم اليقين الشاملة التي تسيطر على الاقتصاد العالمي، مع اتساع رقعة الحرب وسقوط آلاف الضحايا، مما يضع النظام المالي العالمي أمام اختبار قاسي أمام تداعيات النزاعات العسكرية الكبرى.





شارك برأيك
تراجع أسعار النفط وانتعاش الذهب بعد تمديد ترامب مهلة الهجمات على إيران