مازال الشعب الفلسطيني في غزة يمر بمرحلة سوداء في تاريخه الوطني برغم وجود خطة أمريكية لإنهاء الحرب، خطة تم تجميد مرحلتها الثانية بسبب الحرب الامريكية الإسرائيلية الإيرانية، مازال يعيش مرحلة المتناقضات البينة والمترادفات اللينة، مرحلة الشرف والصبر ومرحلة الكرامة والكبرياء والثبات ومقاومة الظلم، مرحلة يعتقد الناس ان الكل أختلط بالكل الشرف بالعار والعمالة بالوطنية واللصوصية بالأمانة، لكن شعبنا ماهر في تصنيف الناس وفرز الرث من السمين، الشريف من الخائن، التاجر المستغل لحاجات الناس من التاجر المحقق لحاجات الناس، ويعرف ان كل فريق يلزم صفاته، من لا وطنية له فهو ابن العار ومن يموت من اجل الوطن فهو يصبر ويدافع عن شرفه وشرف الوطن، من يجوع ويصبر يحفظ كرامته وتبقي رأسه مرفوعة بكبرياء يظفر في النهاية بلقب الفلسطيني.
يعيش معظم أهل غزة اليوم في مخيمات هي ليست اكثر من مربع موت بشع يضاعف المعاناة ويكرس المأساة، يكون الموت فيه اما جوعاً او قهراً او قتلاً، لهذا فان غزة اليوم عبارة عن جسد يمزق بشتي الطرق، يموت اهلها اما حرقاً بالقنابل الحارقة التي تسقطها طائرات الاحتلال الصهيوني فوق رؤوس الاطفال وتتفحم أعضائهم، او يموتوا قتلاً برصاص "الكواد كابتر " التي تلاحقهم متى حاول أي منهم اجتياز الخط الاصفر، الجوع قد يعود من جديد يحدث موتا جديداً لكن يبقي الموت حرقاً ارحم بكثير من الموت جوعاً او قهراً .
لم يعد يملك هذا الشعب شيء الا ونهب حتى ان بعض من كرامته هتك شرفها على ايدي مجموعة خارجة على الوطن لا تنتمي للشعب ولا للأرض ولا للتاريخ ولا للدين ولا للقبيلة ولا حتى لقطيع من الكلاب الضالة، لا نعرف لمن تنتمي هذه الفرق فهم بالتأكيد ليسوا من الشعب الفلسطيني، انهم اناس خلقوا بالمال وعاشوا من اجل المال ...! خلقوا وتربوا في دهاليز الخيانة وتجارة الدم، ينتمون لشهوة السيطرة والاتجار الممنوع وتكديس الأموال والعيش الرغيد في وقت كانت تموت فيه الناس والأطفال جوعاً، يعتقدون ان بروجهم عالية ومشيدة لا يصلها واصل من بشر او غير بشر سوى من ارادوه ان يصل، لكنها بروج من قش لا تحميهم من شمس ملتهبة او مطر غاضب.
أيها القراء اغفروا لي غضبي الذي وصل حد السماء، فلم اعد احتمل رؤية الأطفال تجوع من جديد يصرخوا طالبين قطعة خبز، ولم احتمل رؤية ام تدور على الخيام تطلب غطاءً لأطفالها او خيمة بدل تلك التي طارت مع العاصفة، اغفروا لي غضبي حبا لشعبي وانتماء لتاريخي ومعتقداتي ومسيرة وطني الذي لم تكن يوماً من الأيام بهذه البشاعة، ولا اعتقد ان تأتي مرحلة أبشع من التي نعيشها اليوم.
نعم قد تكون الدروس قاسية لكنها في النهاية ناجحة برغم الوجع، ولا اعتقد ان تمضي الحرب دون ان يماط اللثام عن كل المتخفين وراء مبادئ وطنية زائفة او عروش تالفة او أموال رابية، لا اعتقد ان لا ينكشف كل عابث بوحدة الوطن، وكل عابث بقوة الشعب وكل عابث بسلامة الناس، لا اعتقد ان تنتهي الحرب ويبقي هؤلاء، ولا اعتقد ان يبقي الحال على حاله، ولا تتغير السياسات ويتبرأ الذين اتَبعوا من الذين اتُبعو، لا اعتقد ان يستمر الجوع والموت للابد فسياتي صباح تقف فيه النار وتعود الطائرات الى مخادعها ويهرب اللصوص والصرافين والتجار الي جحورهم التي سرعان ما تلفظهم امهاتهم واموالهم ليحاسبهم الشعب ..حتما فان فاتورة الحساب ستكون ثقيلة وقد افترى هؤلاء دون خشية من يوم تستعرض فيه الاعمال، وينصب الميزان ليحاسب كل من اعتدى على حدود الاخلاق والدين والضمير والإنسانية.
مهما بلغت الحرب بشاعة والجوع شناعة، ومها بلغ جنون الاحتلال ومهما نفذ من مذابح وارتكب من مجازر وجرائم، ومهما برع في حبك الدسائس وجند العسس والعملاء والمليشيات، فان الفجر آت لا محالة، وسيخرج الشعب من مربع الموت يوما ما ويعرف من هي الايدي التي تشابكت لتقهره وتجوع اطفاله بقصد او بغير قصد، ومن هي الوجوه التي تاجرت في دماء أبنائه واثخنت القتل فيها، وسيعرف الشعب كيف يتجرع مرارة الماضي، وكيف يستجمع قواه ليكون قادراً على إعادة صياغة الحاضر والمستقبل، وبالتالي يتخذ موقفا بالغ الشدة من كل العابثين بمستقبل اطفالهم وتعليمهم وطعامهم، لكني اخشى في ذات الوقت ان يلبس أصحاب السعادة لباس المنتصرين ويدوروا في الشوارع مهللين مطبلين يصدقهم بعض الساذجين، واخشى ان يخرج التجار والصرافين متباهين بوطنيتهم واسنادهم الشعب اثناء الحرب ويروجوا حكايات زائفة عن تفكيك معاناة الناس واسناد الفقراء بأعمال الخير وما شابه وهم ليسوا اكثر من لصوص.
لعل هذه الحرب هي حرب كاشفة ستعري كل مندس ومتستر وراء أي ستار وطني او غير وطني انساني او غير انساني، وهي في ذات الوقت درس كبير ليصحوا الغافلين من غفلتهم ويدركوا بان تحرير الأوطان لا يأتي مرة واحدة ولا يأتي بمغامرة غير محسوبة، ولا يأتي من المنتصرين لأحزابهم او المتباهين براياتهم والمتجاهلين لراية الوطن والعابثين بوحدته والمتشدقين بالنضال والثبات والمرابطة.
ان خروج الشعب وتحرره من مربع الموت ليس نهاية المطاف، فاعتقد ان الموت سيتوقف، لكن المعاناة ستبقي والحرمان سيتواصل لان ذيول المشهد طويلة وتحتاج الي وقت لكي تتلاشي تبعات الحرب وتعافي الامة، وانتهاء معاناة أهل غزة، نعم ستنتهي الحرب وتبدأ حرب جديدة ليست بين اهل غزة ولكن حرب من أجل البقاء، واحياء المدن والحارات والشوارع، وهذا يأخذنا لمسار خطة الرئيس ترمب، ومرحلة تسلم لجنة التكنوقراط الحكم وبدء اعادة الاعمار الذي سيشهد مسارا تحت شروط لان يتغير المشهد السياسي في غزة، ولا تبقى حماس المتسبب الرئيس في معاناته، واعتقد ان الجميع متفق ان اليوم التالي للحرب يجب ان يكون مختلفا عما قبله، خاصة ان هناك اتفاق بين الفصائل لتسلم حماس الحكم للجنة وطنية مستقلة تدير القطاع خلال فترة معينة تحددها الأطراف الراعية، وهناك موافقة عربية أوروبية امريكية على ذلك .
إسرائيل لن تنجوا بفعلتها وتدميرها القطاع فسوف تكون مسؤولة الى الابد عما فعلته بغزة وهذه المسؤولية لن تتلاشي حتى إذا تم إيجاد حلول للصراع، وعلى المجتمع الدولي ان يستمر في محاكمة قادة الاحتلال على ارتكابهم لجرائم الإبادة الجماعية في القطاع، حتى لا ينجون بفعلتهم ويصفح عنهم العالم مقابل وقفهم الحرب على غزة، فالجرائم لا تموت بالتقادم بل تبقى محفوظة في سجلات الأمم وفي أذهان الضحايا الذين هدمت بيوتهم بلا ذنب وقتل أبنائهم تحت ركام بيوتهم ولا يعرفوا اين دفنوا والذين حرموا من الطعام و الشراب والمأوى .
قد تكون هناك محاولات لتهجير الناس طوعا تحت ذريعة استحالة الحياة في غزة لان الحياة معدومة في غزة، فهناك لا مدارس ولا مستشفيات ولا جامعات ولا بيوت ولا مخابز ولا بنية تحتية من مياه وكهرباء وصرف صحي، وكأن الفلسطينيين يحتاجوا لإنشاء مدن جديدة وهذا يحتاج الى وقت لن يأتي بدعسة زرار او عبر تطبيق الكتروني. لن تعجز العقول عن إيجاد حلول لمشكلة الإسكان في غزة وإزالة الركام والاستفادة منه لتوسيع مساحة القطاع على حساب ردم مياه البحر، وإقامة مدن جديدة هناك يمكن تحويلها في المستقبل لإقامة مدن سياحية الي حين إعادة إعمار القطاع بالكامل، ولن تعجز العقول عن إيجاد أماكن بديلة للناس في غزة حتى يتم انشاء مدن جديدة وتبنى مساكن كبيرة تستوعب كل الذين تسببت الحرب في تدمير بيوتهم وباتوا بلا مساكن، واعتقد ان نسبتهم تفوق ال 99%، أي اننا نتحدث عن كامل سكان قطاع غزة البالغ عددهم ما يفوق 2 مليون ونصف نسمة.
ان مسؤولية تقديم كل العون والأموال والمعدات وإعداد خطط للتعافي المبكر لغزة تنفذ فوراً مع بدء المرحلة الثانية، والإسراع في خطوات تطبيقها هي مسؤولية الوسطاء والضامنين وعلى راسهم الولايات المتحدة الامريكية والعالم كله بما فيها اسرائيل التي مازالت تنفد خطط عسكرية تهدم فيها ما تبقى من مبان مدنية برغم خطة الرئيس ترمب الداعية لإنهاء الحرب.
[email protected]
أقلام وأراء
الخميس 26 مارس 2026 9:38 صباحًا - بتوقيت القدس





شارك برأيك
مازال شعب غزة يعيش داخل مربع الموت..!