أفادت تقارير اقتصادية دولية بأن الاستقرار النسبي الذي تظهره أسعار النفط العالمية في المؤشرات الكبرى مثل 'برنت' و'غرب تكساس' يخفي وراءه حالة من الاضطراب العميق وغير المسبوق. وأوضحت المصادر أن هذه المؤشرات لم تعد تعكس الحجم الحقيقي للأزمة الناتجة عن إغلاق مضيق هرمز جراء العمليات العسكرية المستمرة في منطقة الشرق الأوسط.
وأشارت المصادر إلى أن النفط ليس سلعة متجانسة، بل يتكون من أنواع متعددة تختلف في خصائصها الكيميائية واستخداماتها، وهو ما أدى إلى تباين حاد في الأسعار بين المناطق الجغرافية. وبينما يركز الإعلام على العقود الآجلة في بحر الشمال وخليج المكسيك، تشهد الأسواق الفورية صراعاً محموماً لتأمين الإمدادات البديلة.
وقد أدى إغلاق مضيق هرمز إلى عزل نحو 20% من إنتاج النفط العالمي عن الأسواق الدولية، مما تسبب في صدمة عرض مباشرة للمصافي التي تعتمد على خامات الخليج. هذا الانقطاع دفع المشترين، وخاصة في القارة الآسيوية، إلى البحث عن بدائل سريعة من مناطق أخرى لضمان استمرار عمليات الإنتاج.
وسجلت أسعار نفط عمان مستويات تاريخية غير مسبوقة، حيث قفز سعر البرميل ليتجاوز حاجز 150 دولاراً، وصولاً إلى ذروة بلغت 173.24 دولار في تعاملات الأسبوع الماضي. ويعكس هذا الارتفاع الجنوني حجم اليأس لدى شركات التكرير التي تسعى لتغطية العجز الفوري في إمداداتها بأي ثمن متاح.
ولم تقتصر الارتفاعات على نفط المنطقة فحسب، بل امتدت لتشمل خامات من النرويج والجزائر وكازاخستان، نظراً لتشابه تركيبتها الكيميائية مع نفط الخليج المحتجز خلف المضيق. وتواجه المصافي الآسيوية ضغوطاً هائلة لتأمين هذه الشحنات رغم التكاليف الإضافية والوقت الطويل الذي يستغرقه الشحن من أوروبا.
ويرى خبراء اقتصاديون أن الندرة المادية الملموسة هي المحرك الفعلي للأسعار في الوقت الراهن، بعيداً عن المضاربات الورقية في البورصات العالمية. وأكد الخبراء أن المنافسة الشرسة على الكميات المحدودة المتاحة خارج منطقة الصراع هي التي تسببت في هذا الانفصال بين الأسعار الإقليمية والمؤشرات العالمية.
وفي الوقت الذي تراجع فيه سعر خام برنت إلى مستويات تقارب 100 دولار بعد قفزة أولية، يرى محللون أن هذا التراجع مضلل ولا يعبر عن وفرة في المعروض. فالأسعار الحالية لبرنت تتعلق بعقود تسليم مستقبلية في شهر أيار/ مايو، وتتأثر بتوقعات ضخ كميات كبيرة من الاحتياطيات الاستراتيجية الدولية.
الندرة المادية هي ما ترفع الأسعار حالياً، وما نراه في نفط عمان قد يكون نذيراً لما سيصيب المؤشرات الكبرى قريباً.
وحذر محللون في 'جي بي مورغان' من أن القارة الآسيوية هي المتضرر الأكبر من هذه الفوضى، حيث تعتمد بشكل حيوي على استيراد نحو 11.2 مليون برميل يومياً عبر مضيق هرمز. وبدأت بوادر تراجع الطلب تظهر بالفعل في بعض الأسواق الآسيوية نتيجة الارتفاع الحاد والمفاجئ في تكاليف الطاقة والمواد الخام.
ويلعب عامل الزمن دوراً حاسماً في تعميق الفجوة السعرية، حيث يستغرق وصول الشحنات من الخليج إلى آسيا نحو أسبوعين كحد أقصى في الظروف الطبيعية. أما الآن، ومع اضطرار السفن للالتفاف حول طريق رأس الرجاء الصالح، فقد تصل مدة الرحلة إلى 45 يوماً، مما يزيد من تكاليف التأمين والوقود.
وتشير المصادر إلى أن استقرار مؤشرات 'برنت' و'غرب تكساس' المحمية مؤقتاً بالمخزونات المحلية لن يدوم طويلاً إذا استمر إغلاق الممرات المائية الحيوية. فالمخزونات الاستراتيجية لها قدرة محدودة على سد الفجوة، ومع استنزافها ستبدأ هذه المؤشرات في اللحاق بالأسعار المرتفعة التي تشهدها الأسواق الفورية.
ويؤكد التقرير أن التباين الحالي في الأسعار يمثل 'هدوءاً ما قبل العاصفة'، حيث أن السوق العالمية لم تستوعب بعد كامل أثر غياب الخام الخليجي. وإذا لم يتم فتح مضيق هرمز في وقت قريب، فإن جنون الأسعار الذي أصاب نفط عمان ودبي سينتقل حتماً إلى كافة أنواع النفط الخام حول العالم.
كما لفتت المصادر الانتباه إلى أن التدخلات السياسية ومحاولات طمأنة الأسواق عبر التصريحات الرسمية لم تنجح في خفض الأسعار الفورية التي تدفعها المصافي. فالواقع الميداني يشير إلى نقص حقيقي في البراميل المتاحة للتحميل الفوري، وهو ما يفرض واقعاً اقتصادياً جديداً يتجاوز التوقعات المتفائلة.
وتواجه سلاسل الإمداد العالمية ضغوطاً إضافية بسبب النقص في المنتجات المكررة أيضاً، حيث كانت المنطقة تصدر أكثر من مليون برميل يومياً من المشتقات النفطية. هذا النقص يهدد بقطاعات حيوية أخرى مثل الطيران والنقل البحري، مما قد يؤدي إلى موجة تضخم عالمية جديدة تتجاوز قطاع الطاقة.
وخلص المحللون إلى أن ما يحدث الآن هو إعادة تشكيل قسرية لخارطة الطاقة العالمية، حيث تضطر الدول المستهلكة لإعادة تقييم أمن إمداداتها. ويبقى استقرار السوق رهناً بالتطورات العسكرية والسياسية في منطقة الشرق الأوسط، وقدرة المجتمع الدولي على تأمين حرية الملاحة في الممرات المائية الاستراتيجية.





شارك برأيك
تقرير دولي: فوضى سوق النفط أعمق من المؤشرات المعلنة وإغلاق هرمز يهدد بكارثة إمدادات