كشف الدكتور أنور قرقاش، كبير المستشارين السياسيين لرئيس دولة الإمارات، عن تحولات استراتيجية كبرى في بنية العلاقات الإقليمية عقب المواجهات العسكرية الأخيرة مع إيران. وأوضح قرقاش أن الدور الإسرائيلي في منطقة الخليج العربي مرشح للتعاظم والتقوية، معتبراً أن الهجمات الإيرانية المتكررة أسهمت في إعادة تشكيل موازين القوى وتحديد مصادر التهديد الحقيقية للدول الخليجية.
وأشار المسؤول الإماراتي رفيع المستوى، خلال حوار أجراه مع مركز أبحاث أمريكي، إلى أن الواقع الميداني الحالي يفرض تجاوز الصور الأيديولوجية النمطية التي سادت في العقود الماضية. وشدد على أن بلاده ترى في إيران التهديد الأكبر والأكثر مباشرة لأمنها القومي، مستشهداً بعمليات إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة التي استهدفت الأراضي الإماراتية في أوقات سابقة.
وفي سياق الأمن البحري، أعلن قرقاش عن استعداد دولة الإمارات للمشاركة الفاعلة في أي جهد دولي يهدف إلى تأمين حرية الملاحة في مضيق هرمز الاستراتيجي. وأكد أن هذه الجهود يجب أن تقودها الولايات المتحدة الأمريكية، مع ضرورة تحمل دول المنطقة وأوروبا لمسؤولياتها في حماية الممرات المائية الحيوية للاقتصاد العالمي.
وتوقع المستشار الإماراتي أن تشهد المرحلة المقبلة تحسناً ملموساً في العلاقات بين إسرائيل ومجموعة من دول الخليج، بما في ذلك تلك التي لا تمتلك حالياً تمثيلاً دبلوماسياً رسمياً مع تل أبيب. ويرى قرقاش أن الرغبة في تطوير القدرات الدفاعية والتكنولوجية ستدفع دولاً إضافية نحو بناء شراكات استراتيجية مع الجانب الإسرائيلي لمواجهة التحديات المشتركة.
من جانبها، نقلت مصادر إعلامية عن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تأكيده المستمر على بناء تحالفات إقليمية جديدة تتجاوز الاتفاقيات القائمة حالياً. وتتلاقى هذه التصريحات مع ما أدلى به وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر، الذي توقع تحول العلاقة مع أبوظبي إلى تحالف رسمي وشامل في وقت قريب جداً.
وعلى صعيد الدور الأمريكي، نفى قرقاش أي تراجع لنفوذ واشنطن في المنطقة نتيجة الحروب الأخيرة، بل اعتبر أن الحاجة للمظلة الأمنية الأمريكية قد تعززت بشكل أكبر. وأوضح أنه رغم وجود بعض الانتقادات الفنية لأنظمة دفاعية معينة، إلا أن الهجوم الإيراني الأخير أثبت محورية الدور الأمريكي في الحفاظ على استقرار الإقليم.
وفي المقابل، تبرز فجوة في المواقف الخليجية تجاه هذا التحول، حيث أشارت تقارير إلى تناقض رؤية قرقاش مع الموقف القطري الرسمي. فبينما ترى الإمارات في إسرائيل شريكاً أمنياً، لا تزال الدوحة تصف إسرائيل بأنها تهديد إقليمي وتدعو إلى مزيد من الاستقلالية الأمنية بعيداً عن الاعتماد الكلي على القوى الخارجية.
من يطلق آلاف الصواريخ والطائرات المسيّرة على الإمارات هو إيران، وليس إسرائيل.
وتطرق قرقاش إلى ملف الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، معرباً عن أمله في بقاء خيار حل الدولتين قائماً على المدى البعيد رغم التعقيدات الراهنة. وحذر من مغبة تصاعد الأوضاع في الضفة الغربية، مذكراً بالتحذيرات التي أطلقتها الإمارات سابقاً بشأن أي محاولات لضم أجزاء من الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وبشأن مستقبل قطاع غزة، توقع المسؤول الإماراتي استمرار العمل على مسارات سياسية محددة، من بينها خطة النقاط العشرين التي طرحتها الإدارة الأمريكية السابقة. وأكد أن استقرار المنطقة يتطلب رؤية شاملة تنهي النزاعات المسلحة وتفتح الباب أمام تعاون اقتصادي وأمني واسع النطاق يضم كافة الأطراف الفاعلة.
ويرى مراقبون أن تصريحات قرقاش تعكس رغبة إماراتية في تسريع وتيرة الاندماج الإقليمي لإسرائيل كجزء من منظومة دفاعية جوية وبحرية متكاملة. وتهدف هذه المنظومة إلى صد الهجمات الصاروخية والمسيرة التي تنطلق من الأراضي الإيرانية أو عبر وكلائها في المنطقة، مما يحول التحالف من طابعه السياسي إلى طابع عسكري عملياتي.
كما شدد قرقاش على أن المسؤولية الجماعية تجاه أمن الخليج تتطلب تنسيقاً غير مسبوق بين العواصم الخليجية والقوى الدولية، معتبراً أن أمن الطاقة العالمي مرتبط بشكل عضوي باستقرار هذه المنطقة. وأضاف أن الإمارات ستواصل دورها كلاعب أساسي في صياغة هذه التفاهمات الأمنية الجديدة التي تضمن تدفق التجارة العالمية دون تهديدات.
وفيما يخص بلاد الشام، أوضح قرقاش أن إسرائيل قد تظل تُصنف هناك كتهديد رئيسي نظراً لطبيعة الصراع الحدودي والسياسي، لكن الحسابات في الخليج تختلف جذرياً. هذا التمييز الجغرافي والسياسي يعكس براغماتية إماراتية في التعامل مع ملفات المنطقة، حيث يتم فصل مسارات الصراع بناءً على المصالح الأمنية المباشرة لكل إقليم.
واختتم قرقاش حديثه بالتأكيد على أن الإمارات تسعى دائماً لتقليل التوترات، لكنها في الوقت ذاته لن تتهاون في بناء التحالفات الضرورية لحماية سيادتها. وأشار إلى أن التكنولوجيا الدفاعية الإسرائيلية المتقدمة تشكل عنصراً جاذباً للعديد من الدول التي تسعى لتحصين نفسها ضد التهديدات غير التقليدية التي برزت في الحروب الأخيرة.
تأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه المنطقة حراكاً دبلوماسياً مكثفاً لإعادة رسم خارطة التحالفات، وسط ترقب دولي لما ستسفر عنه التفاهمات الأمنية الجديدة. ويبقى التحدي الأكبر في كيفية موازنة هذه الدول بين طموحاتها الأمنية وبين الالتزامات التاريخية تجاه القضية الفلسطينية التي لا تزال تشكل عائقاً أمام التطبيع الشعبي الكامل.





شارك برأيك
قرقاش: المواجهة مع إيران تعزز التحالف الاستراتيجي بين دول الخليج وإسرائيل