عربي ودولي

الخميس 19 مارس 2026 4:03 صباحًا - بتوقيت القدس

لماذا ترفض العواصم الأوروبية الانخراط في حرب ترمب ضد إيران؟

تواجه الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترمب عقبات متزايدة في حشد حلفائها الغربيين للمشاركة في المواجهة العسكرية المتصاعدة مع إيران. ورغم الضغوط المستمرة، أبدت العواصم الأوروبية تحفظاً واضحاً تجاه تقديم أي دعم عسكري مباشر لتأمين مضيق هرمز أو الانخراط في العمليات الهجومية.

وتشير تقارير صحفية دولية إلى أن هذا الرفض الأوروبي ينبع من شعور بالتهميش، حيث اتخذت واشنطن وتل أبيب قرارات الحرب والضربات الأولى دون تشاور حقيقي مع الحلفاء. هذا الغياب في التنسيق المسبق أدى إلى فجوة ثقة عميقة جعلت القادة الأوروبيين يترددون في تحمل تبعات نزاع لم يشاركوا في رسم مساره.

وعلى عكس التحالفات الدولية السابقة، مثل حرب العراق، تفتقر المواجهة الحالية إلى غطاء قانوني دولي واضح أو جهود دبلوماسية لتشكيل ائتلاف عريض. هذا الأمر وضع الحكومات الأوروبية في موقف حرج أمام شعوبها، مما دفعها للتمسك بمسافة آمنة عن التحركات الأمريكية الاستباقية.

في بداية الأزمة، اقتصر التعاون الأوروبي على تسهيلات لوجستية محدودة شملت السماح باستخدام بعض القواعد العسكرية في بريطانيا وألمانيا. ومع ذلك، قوبلت هذه الخطوات بمعارضة من دول أخرى مثل إسبانيا التي رفضت تقديم أي تسهيلات، مما عكس انقساماً داخلياً في القارة العجوز.

ومع مطالبة واشنطن بمساهمات عسكرية أكبر، برزت عقبة قانونية تتعلق بميثاق حلف شمال الأطلسي (الناتو). حيث يرى القادة الأوروبيون أن الحلف دفاعي بطبيعته، وأن المادة الخامسة التي تُلزم بالدفاع المشترك لا تنطبق على العمليات العسكرية التي تبدأها الولايات المتحدة بشكل منفرد.

تاريخياً، لم تُفعل المادة الخامسة للناتو إلا مرة واحدة عقب هجمات سبتمبر، وهو ما يجعل استخدامها في سياق التوتر مع إيران أمراً غير قانوني بنظر الكثيرين. ويخشى الأوروبيون أن يؤدي إقحام الناتو في صراعات الشرق الأوسط إلى تقويض شرعيته وتغيير هويته الدفاعية الأساسية.

من الناحية العسكرية، تسود حالة من القلق بشأن القدرات العملياتية في مضيق هرمز، الذي يُعد من أخطر الممرات المائية في العالم حالياً. وتفيد تقديرات استخباراتية بأن الزوارق الإيرانية السريعة قادرة على إلحاق أضرار جسيمة بالسفن الحربية وناقلات النفط، مما يجعل التدخل العسكري مغامرة غير محسوبة.

ويقر مسؤولون في القارة بأن القوات البحرية الأوروبية قد لا تملك القدرة على تغيير موازين القوى في المنطقة بشكل جذري. خاصة وأن البحرية الأمريكية، رغم إمكانياتها الضخمة، لم تنجح حتى الآن في تحييد التهديدات الإيرانية بشكل كامل، مما يزيد من حذر الحلفاء.

اقتصادياً، تلعب أسعار النفط دوراً مزدوجاً في الحسابات الأوروبية، فرغم تضرر اقتصاداتهم من الارتفاع الجنوني للأسعار، إلا أنهم يرون فيه أداة ضغط. ويعتقد بعض القادة أن الضغط الاقتصادي قد يجبر إدارة ترمب على مراجعة سياساتها لتجنب غضب المستهلك الأمريكي.

وترى العواصم الأوروبية أن الأسواق المالية والرأي العام في الولايات المتحدة هما المحركان الأساسيان لقرارات البيت الأبيض. لذا، فإن استمرار الأزمة الاقتصادية قد يكون الوسيلة الوحيدة لدفع واشنطن نحو البحث عن مخرج دبلوماسي لإنهاء الحرب وتجنب الانهيار الشامل.

إلى جانب الهواجس العسكرية والاقتصادية، تبرز قضية الهجرة ككابوس يؤرق القادة الأوروبيين في حال انهيار الدولة الإيرانية. فإضعاف طهران إلى حد الفوضى قد يؤدي إلى تدفق ملايين اللاجئين نحو الحدود الأوروبية، وهو سيناريو تسعى الحكومات لتجنبه بأي ثمن.

لقد تركت أزمات الهجرة السابقة جروحاً سياسية عميقة في المجتمعات الأوروبية، وساهمت في صعود التيارات اليمينية المتطرفة. لذا، فإن الحفاظ على حد أدنى من الاستقرار في إيران يُعد مصلحة أمنية قومية عليا لدول الاتحاد الأوروبي تتجاوز التحالف مع واشنطن.

في نهاية المطاف، يبدو أن أوروبا اختارت مساراً مستقلاً يحمي مصالحها الاستراتيجية بعيداً عن مغامرات ترمب العسكرية. هذا الموقف يعكس تحولاً في العلاقات العابرة للأطلسي، حيث لم تعد التبعية المطلقة للسياسة الأمريكية خياراً مقبولاً في ظل التهديدات الوجودية التي تواجه القارة.

دلالات

شارك برأيك

لماذا ترفض العواصم الأوروبية الانخراط في حرب ترمب ضد إيران؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.