اسرائيليات

الأحد 15 مارس 2026 3:03 مساءً - بتوقيت القدس

استراتيجية 'التصعيد الأفقي': كيف حولت طهران الضربات الأمريكية الإسرائيلية إلى أزمة إقليمية؟

تشهد منطقة الخليج مواجهة عسكرية وسياسية متعددة الأبعاد، تجاوزت حدود الضربات المتبادلة لتتحول إلى اختبار حقيقي لقدرة الولايات المتحدة على التحكم في مسار الصراع. ومع تصاعد الهجمات التي يشنها الاحتلال الإسرائيلي بدعم أمريكي، بادرت إيران بتوسيع نطاق الحرب جغرافياً وسياسياً، محولةً المواجهة إلى أزمة إقليمية شاملة تهدد مصالح واشنطن وحلفائها.

كشفت تقارير دولية أن الهجوم العسكري المشترك الذي انطلق في الثامن والعشرين من شباط/فبراير الماضي، استهدف شل بنية القيادة الإيرانية عبر اغتيال المرشد الأعلى وكبار قادة الحرس الثوري. ورغم دقة الضربات الجوية، إلا أن الآمال الأمريكية في انهيار النظام تبددت سريعاً أمام رد فعل إيراني واسع النطاق شمل إطلاق مئات الصواريخ الباليستية والمسيّرات.

امتدت آثار الرد الإيراني لتشمل دولاً خليجية تستضيف قواعد عسكرية أمريكية، حيث انطلقت الصواريخ الاعتراضية فوق عواصم كبرى مثل الدوحة وأبوظبي. وأفادت مصادر بأن القوات الأمريكية في قاعدة العديد بقطر وقاعدتي الظفرة وعلي السالم اضطرت للجوء إلى الملاجئ، بينما وُضعت القوات البحرية في البحرين في حالة تأهب قصوى.

لم يقتصر التأثير على الجانب العسكري، بل طال الاستقرار الاقتصادي والأمني في المنطقة، حيث تسببت الهجمات في إغلاق مطارات دولية وتعطيل عمليات الشحن. كما اندلعت حرائق في مرافق تجارية وحيوية، مما أدى إلى قفزة حادة في أسعار النفط العالمية وزيادة كبيرة في أقساط التأمين على الناقلات قرب مضيق هرمز.

تعتمد طهران في مواجهتها الحالية على ما يُعرف بـ 'التصعيد الأفقي'، وهي استراتيجية تهدف إلى توسيع رقعة النزاع بدلاً من تكثيفه في جبهة واحدة. وتسعى إيران من خلال هذا النهج إلى إثبات صمودها وقدرتها على العمليات رغم استهداف قيادتها العليا، مرسلةً رسائل واضحة بأن ثمن استضافة القوات الأمريكية سيكون باهظاً.

أدخلت طهران البعد الاقتصادي كأداة ضغط رئيسية عبر تهديد ممرات الطاقة العالمية، حيث انخفضت حركة المرور في مضيق هرمز بنحو 75%. هذا التعطيل المتعمد يهدف إلى خلق ضغوط سياسية داخل الولايات المتحدة وأوروبا، اللتين تعانيان بالفعل من تبعات التضخم وتقلبات أسواق الطاقة العالمية.

يشير المحللون إلى أن إيران تستلهم دروساً من حروب سابقة مثل فيتنام، حيث لم تنجح القوة الجوية الأمريكية الهائلة في تحقيق حسم سياسي. ففي عام 1968، ورغم التفوق العسكري الأمريكي، تمكنت قوات فيتنام الشمالية من نقل المعركة إلى المدن والمراكز السياسية، مما أدى في النهاية إلى خسارة واشنطن للحرب.

كذلك تُقارن الأزمة الحالية بحرب كوسوفو عام 1999، حيث لم تكن الضربات الجوية الدقيقة كافية لإنهاء الصراع دون إدارة سياسية معقدة وتحالفات دولية متماسكة. وتدرك إيران أن إطالة أمد الحرب تزيد من مخاطر سوء التنسيق بين واشنطن وحلفائها، خاصة في ظل غياب مظلة دفاعية موحدة تشبه حلف الناتو في المنطقة.

تسعى الاستراتيجية الإيرانية أيضاً إلى تسييس الصراع عبر مخاطبة الشعوب العربية والإسلامية التي تكن مشاعر سلبية تجاه السياسات الإسرائيلية. ومن خلال تصوير ضرباتها كفعل مشروع ضد 'القوى المعادية'، تحاول طهران إحداث فجوة بين الحكومات الخليجية وشعوبها، مما يضع القادة أمام خيارات صعبة بين التحالف مع واشنطن والاستقرار الداخلي.

تؤكد المصادر أن استمرار الحرب لفترة طويلة سيعيد تشكيل السياسة الداخلية الأمريكية، حيث يثير سقوط قتلى أمريكيين وارتفاع أسعار الطاقة قلق الناخبين. وتواجه إدارة ترامب ضغوطاً من قطاعات واسعة تحذر من الانجرار وراء الأجندة الإسرائيلية في صراع إقليمي مرهق وغير واضح الأهداف.

على الصعيد الأوروبي، تظهر بوادر توترات عبر الأطلسي نتيجة الحساسية العالية لتقلبات الطاقة وضغوط الهجرة التي قد تنتج عن انفجار الأوضاع في الشرق الأوسط. وقد تضطر واشنطن لتقديم تنازلات في ملفات أخرى مثل أوكرانيا لضمان استمرار الدعم اللوجستي الأوروبي لحملتها العسكرية ضد إيران.

تتضاعف التهديدات غير المتكافئة مع دخول أطراف غير حكومية وجماعات مسلحة على خط المواجهة، مما قد يحول الحرب الصاروخية إلى موجة عنف واسعة. ويحذر مراقبون من أن الانخراط البري الأمريكي، إذا حدث، سيجعل القوات والقادة المؤيدين للعملية أهدافاً مباشرة لهجمات استنزافية طويلة.

تجد الولايات المتحدة نفسها الآن أمام مفترق طرق استراتيجي؛ فإما مضاعفة الجهود العسكرية لفرض سيطرة جوية دائمة، وهو مسار قد ينتهي بغزو بري كما حدث في العراق. أو القبول بإنهاء الالتزام العسكري وإعلان 'تحقيق الأهداف' للحد من الخسائر السياسية والاقتصادية المتزايدة.

في نهاية المطاف، يبدو أن الضربة الأولى التي استهدفت القيادة الإيرانية قد حلت مشكلة تكتيكية فورية لكنها خلقت معضلة استراتيجية كبرى. وسيعتمد مستقبل المنطقة على مدى إدراك واشنطن لاستراتيجية 'التصعيد الأفقي' وقدرتها على صياغة رد لا يجرها إلى استنزاف طويل الأمد.

دلالات

شارك برأيك

استراتيجية 'التصعيد الأفقي': كيف حولت طهران الضربات الأمريكية الإسرائيلية إلى أزمة إقليمية؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.