أقلام وأراء

الجمعة 13 مارس 2026 10:00 صباحًا - بتوقيت القدس

الأقصى أسير في رمضان… صلوات على الأبواب ودموع على العتبات

في هذا الشهر الذي تُفتح فيه أبواب السماء، أُغلقت أبواب المسجد الأقصى. في رمضان، حين تمتلئ الساحات عادةً بالتكبير والقيام، وحين تتحول القدس إلى بحرٍ من المصلين، يقف الناس اليوم خلف الأبواب الحديدية، يصلّون على العتبات، يفترشون الحجارة الباردة، ويرفعون أكفهم إلى السماء كأنهم يطرقون أبواب مسجدهم المغلق بالدعاء قبل الجباه.

منذ احتلال القدس الشرقية عام 1967، عاش الفلسطينيون فصولًا طويلة من المنع والتضييق والاقتحامات، لكن إغلاق المسجد الأقصى بالكامل ومنع الصلاة فيه حدث نادر للغاية، وحتى في أكثر اللحظات توترًا بقيت أبوابه مفتوحة ولو جزئيًا، أما أن يُغلق المسجد في شهر رمضان، وأن يُمنع الناس من الصلاة فيه بشكل كامل، فذلك ليس مجرد إجراء أمني كما يقال، بل لحظة ثقيلة تحمل في طياتها معنى الصراع كله.

في ليالي رمضان، كان الأقصى دائمًا قلب القدس النابض، كانت الأزقة القديمة تمتلئ بخطوات المصلين، وكانت الساحات الواسعة تحتضن مئات الآلاف من الرجال والنساء والأطفال الذين يأتون من كل الطرق، من كل مدن وقرى فلسطين حاملين شوقهم وصلواتهم إلى المسجد الذي يسكن وجدانهم، كان صوت التكبير يعلو فوق القباب الحجرية، وكانت المدينة تستعيد شيئًا من روحها التي حاول الاحتلال خنقها بالجدران والحواجز.

أما اليوم، فالمشهد مختلف وقاسٍ، أبواب مغلقة، جنود يقفون خلف البنادق، ومصلون يقفون في الخارج بعيون معلقة خلف الأبواب، بعضهم يصلّي بصمت، وبعضهم يبكي، وبعضهم يرفع رأسه نحو القبة الذهبية البعيدة كأنه يطمئن قلبه بأن المسجد ما زال هناك… ينتظرهم.

لكن المفارقة العجيبة أن الأقصى، كلما أُغلق، فتح أبوابه بطريقة أخرى، حين يُمنع الناس من الدخول إليه، يتحول بابه نفسه إلى مسجد، وحين تُغلق الساحات، تتحول الأزقة والطرقات إلى صفوف صلاة، لقد رأى العالم هذه المشاهد مرارًا: رجال ونساء يسجدون على الإسفلت، أطفال يقفون إلى جانب الشيوخ، والمدينة كلها تتحول إلى محراب كبير .

الصلاة على الابواب ليست مجرد صلاة، إنها إعلان صامت بأن العلاقة مع هذا المكان أعمق من أن تقطعها الأقفال أو البنادق، فالأقصى بالنسبة للفلسطينيين ليس مجرد مسجد، بل ذاكرة وهوية وتاريخ وكرامة، في ذلك المكان الذي تختصر فيه القدس حكايتها كلها، حيث تختلط العبادة بالصمود، وحيث يتحول السجود إلى شكل من أشكال البقاء والصمود.

في هذه الأيام، يتزامن إغلاق المسجد مع توترات إقليمية وحرب مشتعلة في المنطقة، وهو ما يدفع إسرائيل إلى التعامل مع القدس بعقلية أمنية شديدة القسوة، لكن القدس لم تكن يومًا ملفًا أمنيًا يمكن ضبطه بالحواجز، إنها مدينة حية، مليئة بالرموز والذاكرة والروح، وكلما حاولت القوة إخضاعها، وجدت نفسها أمام حقيقة بسيطة: أن هذه المدينة لا تُدار بالقوة وحدها.

لقد أثبت التاريخ مرارًا أن كل خطوة تمس الأقصى تتجاوز أسوار البلدة القديمة، فالمسجد ليس مجرد معلم ديني في مدينة محاصرة، بل رمز حيّ في وجدان ملايين المسلمين، ولذلك فإن إغلاق أبوابه في رمضان لا يُقرأ كقرار أمني فقط، بل كجرح مفتوح في قلب مدينة اعتادت أن تدافع عن روحها بالصبر والصلاة والوجود.

ومع ذلك، فإن المشهد الأكثر تأثيرًا لا يكمن في الأبواب المغلقة، بل في الذين يقفون عندها، رجال ونساء يأتون كل يوم، يقفون أمام الجنود، يصلّون، ثم يغادرون بهدوء ليعودوا في اليوم التالي، لا شعارات صاخبة، ولا خطابات كبيرة، بل إصرار هادئ يشبه جذور الزيتون التي تتشبث بالأرض مهما اشتدت الرياح.

في تلك اللحظات، تبدو القدس كأمٍ تقف خلف الباب المغلق، تنظر إلى أبنائها وهم يصلّون في الخارج، عاجزة عن احتضانهم، لكن أبناءها لا يغادرون، يقفون عند الباب، لأن الوقوف هناك هو شكل من أشكال الحراسة، وحكاية من حكايات الوفاء.

وفي نهاية هذا المشهد المؤلم، يقف المصلون عند أبواب الأقصى وكأنهم يكتبون بصلاتهم رسالة صامتة إلى العالم كله، رسالة تقول إن هذا المسجد ليس حجارة يمكن إغلاقها بالأقفال، بل روح تسكن القلوب، قد تُغلق الأبواب، وقد تُنصب الحواجز، وقد يُمنع الناس من العبور، لكن الطريق إلى الأقصى لا يمر عبر البوابات الحديدية فقط، بل عبر الإيمان الذي لا يعرف الانكسار.

في هذا الشهر الحزين، قد يبكي الأقصى خلف أبوابه المغلقة، لكن دموع المصلين على عتباته ليست دموع هزيمة، بل دموع وفاء وشوق، وأن المسجد الذي حرسه الإيمان عبر القرون لن يبقى أسير الأقفال إلى الأبد.

ففي القدس تعلّم الناس درسًا بسيطًا لكنه عميق: يمكن أن تُغلق الأبواب… لكن السجود عندها هو بداية الطريق إلى ان تفتح.

دلالات

شارك برأيك

الأقصى أسير في رمضان… صلوات على الأبواب ودموع على العتبات

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.